الرئيسية » اراء ودراسات » “بريكس” و”شنغهاي”: مواجهة “أحادية” أميركا.. ودولارها

“بريكس” و”شنغهاي”: مواجهة “أحادية” أميركا.. ودولارها

صعد تكتلان كبيران اساسيان على المسرح العالمي خلال العقدين الماضيين، هما مجموعة “بريكس”، و”منظمة شانغهاي”، بما يثير التكهنات والمؤشرات المتزايدة على تبدلات هائلة على صعيد توازن القوى، وينذر ايضا بان الولايات المتحدة التي تسيدت على العالم منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، تخسر قبضتها السياسية والاقتصادية تدريجيا.

خليل حرب

+++++++++++++++++++++

صحيح ان هناك العديد من التكتلات الدولية، لكن مجموعة “بريكس” و”منظمة شنغهاي للتعاون” يعتبران من بين الاكثر دلالة على تاكيد صعود قوى بديلة عن الثنائي الاوروبي-الاميركي الذي هيمن بشكل كبير على الشؤون الدولية خلال القرون الثلاثة الماضية، واتخذ منحى اكثر حدة منذ شبه الاستفراد الاميركي بالتحكم في الصراعات الجيوسياسية سياسيا واقتصاديا، بعد انتهاء الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي في العام 1991.

لكن هذا الصعود ليس صدفة. فدول مجموعة “بريكس” التي تضم الصين والهند وروسيا والبرازيل بالاضافة الى جنوب افريقيا (انضمت في 2011)، تساهم في الاقتصاد العالمي بنسبة تتخطى ال31%، متجاوزة مساهمة “مجموعة ال7″ المقدرة بنحو 30%. ول”بريكس” ايضا امتداد جغرافي يشكل 40% من مساحة العالم، ويضم اكثر من 40% من سكان العالم. وهذه الدول اذ تلتقي على مبادئ التعاون الاقصتادي والتنمية المستدامة، الا انها لا تخفي منذ انطلاقتها على مستوى القمة في العام 2009، انها تسعى الى التحول الى قوة اقتصادية عالمية، والاهم انها تريد كسر الاحادية القطبية التي يمثلها الغرب بزعامة الولايات المتحدة، وانشاء نظام عالمي متعدد الاقطاب.

وتعقد “بريكس” قمة في 22 اب 2023 في جوهانسبورغ. وظلت “بريكس” منذ انضمام جنوب افريقيا، شبه مغلقة امام الاعضاء الجدد، وصولا الى العام 2020 حيث فتحت النقاشات حول ضم دول اخرى. ورسميا، هناك الان طلبات من الجزائر وايران والارجنتين للانضمام. وهناك دول ابدت ايضا “اهتمامها” للانضمام بينها مصر والسعودية وسوريا وتونس واندونيسيا والامارات، فيما يبدو ان “الملف الجزائري” يحظى بتاييد للعضوية خصوصا من جانب موسكو.

وللمجموعة العديد من الاهداف المعلنة منذ قيامها تنظيميا، من بينها مكافحة الفقر والتنمية المستدامة وتعزيز الاندماج الاقتصادي والاجتماعي وتعزيز الامن والسلام لضمان النمو الاقتصادي والاستقرار السياسي، واصلاح المؤسسات المالية الدولية ليكون للدول الناشئة صوت اكبر، وتعزيز الامن الغذائي.

الا ان من بين الخطوات الاكثر دلالة على النزعة الاستقلالية وكسر الاحادية الاميركية، يمكنها رؤيتها بوضوح بقرار الصين في 2013 اطلاق مبادرة “الحزام والطريق” بعد شهور قليلة على قمة “بريكس” في مدينة ديربان الجنوب افريقية. كما يمكن رؤيتها بوضوح في قرار “بريكس” افتتاح “بنك التنمية الجديد” خلال قمة المجموعة في مدينة اوفا الروسية العام 2015، وهو بنك، مقره في مدينة شنغهاي الصينية، يؤمل ان يكون بمثابة بديل عن مؤسسات البنك الدولي الذي يوصف بانه الذراع المالي للهيمنة الغربية عالميا، ويقدر راسماله بحوالى 100 مليار دولار.

حدث لافت اخر جرى عندما عقدت قمة “بريكس” في سان بطرسبورغ الروسية في تشرين الثاني 2020، وذلك بالشراكة مع “منظمة شنغهاي للتعاون” التي تعتبر بمثابة تكتل اخر بديل عن الهيمنة الغربية، راح يتشكل منذ العام 2001 (ويمكن القول ايضا انه بدا في العام 1996) في هذه المدينة الصينية، بقيادة زعماء 6 دول هي الصين وروسيا وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان واوزبكستان، ثم انضمت اليهم لاحقا الهند وباكستان ثم نالت ايران العضوية رسميا في تموز 2023.  

وبشكل غير رسمي، توصف المنظمة بانها بمثابة تحالف له طابع عسكري، برغم انه لم يتحول فعليا الى تحالف عسكري، فمن بين اهدافه تعزيز الثقة بين اعضائه من خلال الحد من تمركز القوات العسكرية على المناطق الحدودية المشتركة بين بلدانه، وهو ايضا ينادي برفض التدخلات الخارجية بشؤون دوله بذرائع الدوافع الانسانية او حقوق الانسان، ودوله تتكافل في مساندة بعضها البعض لتقوية السيادة الخاصة والاستقلال والاستقرار الاقليمي (مثلا تصويت “الفيتو” المتكرر من جانب بكين وموسكو في مجلس الامن الدولي). وتظهر هذه الشعارات والمبادئ ان المنظمة تشكل بديلا عن حلف الناتو الاخذ في التمدد برغم مرور 3 عقود على نهاية الحرب الباردة. ولهذا، فمن بين اهداف المنظمة التعاون الامني ومكافحة الارهاب والتطرف والحركات الانفصالية التي تعاني منها بعض دولها.

وتقول “منظمة شنغهاي” انها تنشد اقامة نظام دولي ديمقراطي واكثر عدلا، وهي تمثل نحو نصف سكان العالم، واكثر من ربع الناتج المحلي الاجمالي عالميا. ومن المرجح ان يزداد هذا التوسع حيث ان دولا مثل بيلاروسيا ومنغوليا وارمينيا واذربيجان وبنغلادش وافغانستان تشارك في اجتماعات المنظمة بصفة مراقب، بينما تقدمت مصر وسوريا بطلب للحصول على صفة مراقب.  وهناك صيغة اخرى مطروحة امام الدول الراغبة تحت عنوان “شريك حوار” التي حصلت عليها كمبوديا ونيبال وسيريلانكا وتركيا، وتقدمت العراق وجزر المالديف واوكرانيا وفيتنام بطلبات للحصول على هذه الصفة (بالاضافة الى الكيان الاسرائيلي).

المهم ان العديد من المراقبين يعتبرون ان “بريكس” هي بمثابة الذراع الاقتصادي-المالي ل”منظمة شنغهاي للتعاون”. فالى جانب “بنك التنمية الجديد”، الذي انضمت اليه الامارات ومصر والاوروغواي، تشكل ايضا مجلس اعمال البريكس الذي يستهدف تطوير التجارة والاستثمار بين دول المجموعة نفسها، وبين التكتلات والاقتصاديات العالمية الاخرى.

وفي اطار بحث “بريكس” و”منظمة شنغهاي للتعاون” عن مسارات اقتصادية بديلة عن النظام القائم حاليا على مستوى العالم، يتزايد التملص من استخدام عملة الدولار الاميركي في التعاملات المالية بين الدول الاعضاء وحتى بين دول من خارج التكتلين، واعتماد اما العملات الوطنية في التبادلات، او اللجوء الى نظام تبادل السلع. كما ان قادة “بريكس” بداوا منذ العام 2015 على الاقل، في مناقشة امكانية التوصل الى نظام بديل عن نظام “سويفت” المالي (الذي يرمز الى جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك) الخاضع للهيمنة الاميركية-الاوروبية منذ العام 1973 ويضبط التعاملات البنكية حول العالم تحت اشراف مشترك بين اكثر من 2000 بنك ومؤسسة مالية.

واعتمدت موسكو من جهتها منذ العام 2014 نظام “اي بي اف اس” بعد بروز تهديدات اميركية ضدها بسبب ازمة القرم وقتها. كما اطلقت موسكو نظام “مير” للدفع بالبطاقات المشابهة لنظامي “فيزا” و”ماستركارد”. كما ان اعتماد الصين يتزايد على نظام “سي اي بي اس” للدفع بين البنوك، وربطته ايضا مع النظام الروسي منذ العام 2019.

ومن الواضح ان هذه الانظمة والاليات تتلاقى عند فكرة اضعاف الهيمنة الاميركية على النظام المالي العالمي، وخصوصا هيمنة الدولار الاميركي. ومن المقرر ان تبحث قمة “بريكس” في جنوب افريقيا خلال شهر اب الحالي، فكرة اصدار عملة موحدة لدول المجموعة لتكون بديلا احتياطيا عن الدولار المعتمد بشكل رئيسي للتجارة والتعاملات الدولية. وبحسب ما يتم تداوله حتى الان، فان العملة المشتركة ستعتمد في قيمته بارتباطها بالذهب والمعادن النفسية.

ويبدو ان الحرب الاوكرانية التي انخرطت فيها روسيا، سرعت من تحرك موسكو وبكين، والدول الاخرى في “بريكس” باتجاه ضمان الاستقلالية المالية بعيدا عن الدولار، خصوصا بعدما شاهد العالم سرعة العقوبات وحدتها والتي فرضت على العلاقات والمصالح التجارية والاقتصادية وممتلكات الروس في انحاء العالم، وكانت بمثابة جرس انذار دفع زعماء دول المجموعة الى البحث عن خيارات مالية جديدة، مثلما كان “استبداد” الدولار وقيوده، ساهمت من قبل مثلا في تطويق العراق وتدميره، ثم في انهاك الاقتصاد الايراني بسلسلة لا تنتهي من العقوبات.

ويمكن القول ان التكتلات والاحلاف التي يشهدها العالم، برغم انه يعكس شكلا من التلاقي في المصالح والاهداف والتقارب بين دول التكتل نفسه، الا انها تعكس في الوقت نفسه، صراعات الدول الكبرى والانتقال من الحروب العسكرية الطاحنة، الى الصراع على المصالح الاقتصادية، لضمان الاستمرارية والبقاء الازدهار، ولو على حساب الدول او التكتلات الاخرى، وهي اهداف تستدعي بشكل حتمي احيانا، اللجوء الى جبهات القتال والخنادق.

تكتلات عالمية

الى جانب “بريكس” و”منظمة شنغهاي للتعاون”، هناك تكتلات اخرى في العالم لها وزنها واهميتها، من بينها مثلا تكتل دول “الاتفاق الشامل والتقدمي للشراكة العابرة للمحيط الهادئ” المشكل في العام 2018 بعد اعلان خروج الولايات المتحدة من نواته التاسيسية من جانب ادارة الرئيس السابق دونالد ترامب. ويضم التكتل أستراليا، بروناي، كندا، تشيلي، اليابان، ماليزيا، المكسيك، نيوزيلندا، بيرو، سنغافورة، وفيتنام، وتمثل مجتمعة نحو 15% من الناتج المحلي الاجمالي عالميا.

وبطبيعة الحال، هناك حلف شمال الاطلسي (الناتو) المشكل منذ العام 1949، ويتخذ طابعا عسكريا اساسيا ويساهم حاليا بشكل شبه مباشر في دعم اوكرانيا على التصدي للهجوم الروسي على اراضيها.

وهناك ايضا التكتل المتمثل بمجموعة الدول الصناعية السبع الذي هو بمثابة ملتقى سياسي يضم قادة الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والمانيا وايطاليا واليابان وكندا، ويقدر انها تمثل نحو 40% من الناتج المحلي العالمي، ونحو 10 % من مجمل سكان العالم. وتحتفظ دول المجموعة بعلاقات قوية في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية.  

وكانت واشنطن اعلنت في العام 2021 عن قيام حلف “اوكوس” الامني الذي يجمعها مع بريطانيا واستراليا، في اطار التصدي للنفوذ الصيني. وبموازاة ذلك، هناك تحالف “كواد” الرباعي (2007) الذي تعمل واشنطن على تمتينه مع الهند واستراليا واليابان، للمساهمة ايضا في تطويق الصين والتصدي لنفوذها في منطقة اسيا والمحيط الهادئ.

والى جانب ذلك، هناك “منظمة التجارة الحرة لامريكا الشمالية” (النافتا) الذي احتفظ بصيغته الاقتصادية كمنطقة للتجارة الحرة، ولم يرتقي الى مستوى الاتحاد الجمركي او السوق المشتركة، وهو يتألف من 3 دول هي الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.

وبالامكان ايضا تعداد التكتلات والروابط العالمية التالية:

  • رابطة جنوب شرق اسيا “اسيان” التي تاسست منذ العام 1967، ووصفت بانها بمثابة حلف سياسي في مقابل الشيوعية التي كنت منتشرة في دول جنوب شرق اسيا وقتها.
  • تحالف “العيون الخمسة” الذي يضم الولايات المتحدة وكندا واستراليا ونيوزيلندا، وينسق ايضا مع الدنمارك وفرنسا وهولندا والنروج، من خلال التعاون الاستخباراتي والامني.
  • السوق المشتركة لدول امريكا الجنوبية (ميركوسور) التي تشكلت العام 1991، وتضم الارجنتين والبرازيل والباراغواي والاورغواي وبوليفيا وتشيلي.
  • اتحاد المغرب العربي الذي تاسس العام 1989 ويضم دول المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا.
  • منطقة التحارة الحر لدول البلطيق التي تاسس بين استونيا ولاتفيا وليتوانيا
  • كومنولث الدول المستقلة التي تضم روسيا واوكرانيا واوزبكستان وطاجيكستان وبيلاروسيا وجورجيا وملدوفيا وكازاخستان.
  • مجلس التعاون الخليجي

تكتلات اندثرت

  • حلف وارسو (1955) لمواجهة حلف الناتو
  • حلف “سياتو” لدول جنوب شرق اسيا (1954) بدعم اميركي لمواجهة الاتحاد السوفياتي
  • حلف بغداد (1955) وضم العراق وايران وتركيا وبريطانيا وباكستان، وذلك لمواجهة التمدد السوفياتي والثورة الناصرية.
  • حلف “الريو” (1947) او تحالف بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وضم دولا من الاميركيتين، لكنه صار الان بلا تاثير يذكر في ظل هيمنة واشنطن المطلقة عليه.

https://www.general-security.gov.lb/uploads/articles/11922.pdf

عن خليل حرب

خليل حرب، صحافي لبناني، مدير تحرير في جريدة "السفير" سابقا. يشغل اليوم منصب رئيس تحرير موقع "جورنال".