الرئيسية » لبنان » الاكتئاب يحاصر اللبنانيين مع توالي الأزمات غير المسبوقة

الاكتئاب يحاصر اللبنانيين مع توالي الأزمات غير المسبوقة

بيروت (أ ب) – يخيم الاكتئاب والقلق على حياة أعداد متزايدة من اللبنانيين في ظل الازمات المتداخلة معيشيا واقتصاديا التي زعزعت الصحة النفسية العامة للمواطنين والتي يقول أخصائيون انها تتدهور لدرجة استمرار تأثيراتها لسنوات طويلة.

وسقطت الاف العائلات اللبنانية في براثن التحديات المعيشية، بدءا من انهيار الليرة وقيود البنوك على أموال المودعين وارتفاع نسبة الفقر، ووصولا الى انشغال المواطنين يوميا بالبحث والانتظار للحصول على مواد اساسية كالوقود والخبز والادوية، فيما أغلقت الاف المؤسسات التجارية أبوابها أو سرحت الموظفين لديها.

وفي وقت تواجه فيه السلطات تخبطا في معالجة المشكلات الحياتية لملايين المواطنين، فان تردي الصحة النفسية لا يلقى اهتماما ملائما، ولا تتوفر احصاءات رسمية لعدد المرضى الذي لجأوا الى أطباء وخبراء لمساعدتهم، ولا لمن آثروا المعاناة بصمت ولم يسعوا الى طلب المساعدة، فيما تتوفر تقديرات واحصاءات متفرقة تؤكد زيادة كبيرة في نسبة المصابين بأزمات نفسية، الى جانب ارتفاع لافت في معدلات جرائم القتل والسرقة والانتحار.

وما يزيد الطين بلة، انه في ظل معاناة اللبنانيين من أحد اسوأ الازمات المالية على مستوى العالم منذ القرن التاسع عشر بحسب توصيف البنك الدولي، تراجعت قدرتهم المالية على التماس العلاج لدى الأطباء او شراء الادوية المخصصة للمشكلات والامراض النفسية التي إما ارتفع سعرها بشكل باهظ، او لم تعد متوفرة في الصيدليات.

يقول الطبيب والعالم النفسي العيادي مرام حكيم ان “غالبية من كانوا يعانون من أمراض نفسية قبل ظهور فيروس كورونا والأزمة المالية وانهيار البلد، صاروا الان يعانون من أعراض أخطر، او أصيبوا بانتكاسة شديدة، ومن كان بحالة مستقرة نفسيا قبل هذه الازمات، صار الآن مضطربا”.

وحول ما يسمى في لبنان ب”طوابير الذل” التي ينتظر فيها المواطنون أمام محطات الوقود او افران الخبز والبنوك والصيدليات، والتي في أحيان كثيرة تسببت بوقوع قتلى وجرحى، قال الدكتور مرام انها “تحطم الامل، وتدفع البعض نحو الاستسلام، وتخلق احباطا شديدا، وتتسبب بالاكتئاب او نوبات قلق وغضب وأرق. وتعكس هذه الطوابير مشاعر الخوف عند الناس حول مصيرهم”.

وبحسب بيانات قوى الامن الداخلي، فان 40 حالة انتحار سجلت ما بين يناير/كانون ثان وابريل/نيسان 2021، بينما كان العام 2019 سجل 172 حالة، والعام 2020، 149 حالة، و 102 حالة في العام 2010، ما يعني ان زيادة كبيرة قد طرأت. ولا تشمل هذه البيانات محاولات الانتحار.

يقول الدكتور مرام ان “المجتمع اللبناني يعاني من زيادة في حالات الانتحار والاكتئاب والارق ونوبات الهلع والوسواس القهري، واضطرابات ما بعد الصدمة خاصة بعد انفجار مرفأ بيروت” في أغسطس/آب 2020. ويشير الى زيادة بنسبة 70 بالمائة في عدد من يعانون من هذه الحالات النفسية، بالإضافة الى زيادة بنسبة 100 بالمائة في استهلاك الادوية المهدئة للأعصاب والعلاج النفسي، معتبرا ان أي ارقام التي تشير الى اقل من ذلك ليست دقيقة لان غالبية الناس تخجل من الاعتراف والتحدث عن هذه الامور لأسباب اجتماعية.

من جهته، يقدر الدكتور الصيدلي حسين مقدم ان هناك زيادة بنسبة 50 بالمائة في الطلب على أدوية الاعصاب وعلاج الاكتئاب. ويقول “الاقبال على هذه الادوية يكون أملا في رفع نسبة السيروتونين (هرمون السعادة) الذي يتراجع في الجسم في ظل الضغوط والازمات السياسية والامنية والانفجارات، ما يجعل الانسان أكثر توترا، حتى بين جيل الشباب”.

لا تشعر رنا محمد (40 سنة) والتي أصيبت بجروح عديدة بانفجار المرفأ بأنها بخير منذ ذلك الحين، لا هي ولا افراد عائلتها، اذ “يعيش الجميع حالة من القلق لم يعهدوها من قبل، سواء فيما يتعلق بتقلص فرص العمل، وانعدام الامان ازاء المستقبل، واحتجازنا في المنازل بسبب كوفيد-19، ثم جاءت أزمة انهيار الليرة. ابنتي أيضا تعاني من ذلك وهي تشاهد قلق والديها في المنزل. ابنتي شاهدتني وأنا مصابة وملطخة بالدماء. سلامتنا النفسية جميعا تضررت”.

ويواجه الاف اللبنانيين معضلة اخرى تتمثل في عدم توفر الادوية المخصصة للعلاج النفسي في الصيدليات، والتي اختفت من الاسواق خلال الشهور الماضية اما بسبب تخزين تجار السوق السوداء لبيعها بأسعار باهظة حين انقطاعها، او لعدم إدراجها في خطط الدعم المالي الذي تؤمنه وزارة الصحة والبنك المركزي لهذه الانواع من الادوية، ما رفع سعر بعضها الى مئات الاف الليرات في بلد صار فيه الحد الادنى للأجور يعادل حوالي 30 دولارا (الدولار يعادل نحو 19 ألف ليرة في السوق السوداء).

والى هذا، يلفت الدكتور مرام الى انه يلاحظ من خلال عمله ايضا زيادة الاقبال على المواد المخدرة والكحول ربما كبديل لعدم توفر الادوية المهدئة، والى زيادة المشكلات العائلية. وتابع قائلا ان “الامراض الجسدية النفسية (السايكوسوماتيك) تتزايد، فالمرض النفسي يضرب المناعة لان زيادة هرمون الكورتيزول (المسبب للتوتر)، يتسبب في اضعاف المناعة”.

يضاف الى ذلك، بحسب الدكتور مقدم، ان الازمات المحيطة والتوتر المتعلق بمشكلات مولدات الكهرباء والرواتب والخبز وغيرها، تتسبب في ارتفاع هرمون الكورتيزول ما يؤدي الى تراجع القدرة الجنسية للإنسان، وشهد الطلب على شراء الادوية المقوية جنسيا زيادة بنسبة 40 بالمائة، لكنها هي الأخرى اختفت الآن.

يقول الدكتور مرام ان المشكلة هي انه حتى لو تم حل الازمات المعيشية اليوم، فان الضرر النفسي سيظل قائما لسنوات، لا بالنسبة للبالغين من رجال ونساء فحسب، وإنما أيضا بالنسبة للأطفال الذين ينشأون ويعيشون في ظل هذه الظروف القاسية.

عن خليل حرب

خليل حرب، صحافي لبناني، مدير تحرير في جريدة "السفير" سابقا. يشغل اليوم منصب رئيس تحرير موقع "جورنال".

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*