الرئيسية » العالم » العراق » لمصلحة من استحضار النبي ابراهيم الآن الى اربيل ؟

لمصلحة من استحضار النبي ابراهيم الآن الى اربيل ؟

الالتئام المريب لـ300 شخصية عراقية تحت جنح ظلام الغموض في مدينة اربيل، للدعوة الى السلام مع اسرائيل، وبتنظيم من شخصيات ملتبسة النوايا في نيويورك، من دون علم سلطات بغداد او اقليم كردستان، بحسب تأكيداتهما، يلقي مادة ملتهبة في حقل الانتخابات العراقية التي تفتح صناديقها بعد اسبوعين.

خليل حرب

مضى اكثر من عام على ما سمي بعملية السلام الابراهيمي التي انخرطت فيها الامارات والبحرين والسودان والمغرب في الشهور الاخيرة من عهد الرئيس الامريكي السابق دونالد ترامب وصهره العتيد جاريد كوشنر، من دون سياق سياسي مفهوم حتى الان بالنسبة الى كثيرين، سوى محاولة استغلال لحظة الانهيار العربي لكسر “المحرمات”، وثانياً منح ترامب “خدمة” رخيصة لعلها تصب في صالحه انتخابياً، وهو ما لم يحدث!

 وصحيح ان اسم العراق – كما اسم السعودية – ورد مراراً في تصريحات وتقديرات امريكية واسرائيلية بانه سيكون من ضمن “قافلة المطبعين” الجدد، لكن حكومة مصطفى الكاظمي والرئيس برهم صالح وقيادات بعض الاحزاب الكبيرة سارعت الى النفي مرارا وتأكيد رفضها مثل هذه الخطوة التزاما بالموقف العربي “الرسمي” الذي يرهن التطبيع والسلام بإستعادة الأرض أولاً.

ولهذا، فان السؤال يتعلق بكيفية توافد 300 شخصية بينهم شيوخ عشائر وناشطون من حراك اكتوبر 2019 ومثقفون وقيادات في “الصحوة” التي قاتلت، بدعم من الامريكيين، تنظيم “القاعدة” قبل اكثر من عشرة اعوام، الى اربيل، لتفتح شهيتها المفاجئة، ومن دون علم السلطات العراقية، على مائدة التطبيع العبثية، وللاستماع الى نجل الرئيس الاسرائيلي الاسبق شمعون بيريز (عبر الفيديو) والذي جرّب قبل عقدين من الزمن مقايضة العقل الاسرائيلي بالمال العربي وخلق شرق أوسط جديد؟

وربما الاهم، ما هي مصلحة العراق في هذه اللحظة بالذات، لتخرج اصوات التطبيع مع اسرائيل من كهوفها فيما يجهد العراق لتطبيع أوضاعه الامنية والسياسية مع محيطه العربي والتركي والايراني، ويرتب التفاصيل الاخيرة لنهاية “المهمة القتالية” للقوات الامريكية القليلة المتبقية في البلاد حتى نهاية العام 2021 مع كل ما يصاحبها من توتر وضغوط وحسابات عراقية وفصائلية وامريكية واقليمية.

نقطة اخرى يمكن ان يتوقف عندها المراقبون، وهي تتعلق بموقف حكومة اقليم كردستان التي انعقد المؤتمر في “عاصمتها” اربيل، لكنها قالت السبت ان الاجتماع عُقد من دون علمها وموافقتها ومشاركتها، وهو لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن موقف حكومة الإقليم، وانه سيتم اتخاذ الإجراءات اللازمة لمتابعة كيفية انعقاد هذا الاجتماع.

واثارة التساؤل هنا مهمة لان العلاقات بين رئيس الاقليم نيجيرفان بارزاني ورئيس الحكومة العراقي مصطفى الكاظمي تمر في أفضل حالاتها بعد سلسلة من الازمات التي شابت علاقة الاقليم ببغداد، وعمد الكاظمي بعد توليه الحكم في ايار/مايو 2020، الى المباشرة بتسويتها ومعالجتها مع بارزاني، وفتح ذلك الباب امام زيارات مكثفة رطبت الاجواء بين الطرفين.

اذن، لماذا يسمح في اربيل بما هو محرج عراقياً ومرفوض حزبياً؟ حيث انهمرت مواقف التنديد من رئاسة الجمهورية الى الحكومة الى تحالف الفتح بزعامة هادي العامري إلى السيد عمار الحكيم الى السيد مقتدى الصدر الذي طالب بـ”اعتقال وتجريم” كل المشاركين في “مؤتمر السلام والاسترداد”، داعيا انصاره الى “انتظار الامر منا للبدء بالتعامل مع هذه النماذج القذرة”. وانضم الى المنددين “تحالف عزم” السني بقيادة خميس الخنجر، والحزب الاسلامي العراقي، وحركة “عصائب أهل الحق”، و”تحالف تقدم” بزعامة رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، وحزب الدعوة الاسلامية. وحتى ان رئيس مؤتمر صحوة العراق أحمد أبو ريشة اعلن في بيان بعد ساعات، “بلغنا للأسف قيام بعض دعاة الانتساب لمكونات ولتوصيفات معينة زورا وبهتانا، وهم ابعد من تلك التوصيفات ان كانت لمكون او لمؤسسة معينة، وقيامهم بعقد مؤتمر للدعوة للتطبيع” مع إسرائيل. كما ان “رئيس كتلة النهج الوطني” عمار طعمة والتي تمثل مرجعية محمد اليعقوبي في النجف دعا في بيان “لمقاضاة الأصوات المجاهرة بالتطبيع” مع إسرائيل.

أضفى المؤتمر اجواء من التوتر والاحراج في خضم التحضيرات الجارية لخوض الانتخابات في العاشر من تشرين الاول/أكتوبر المقبل، والتي يراهن الكاظمي على ان تجري بهدوء وسلام، في سياق يُفترض أن يؤدي إلى ولاية ثانية لرئيس وزراء العراق الحالي.

ومهما يكن، فان المؤتمر انعقد، وتنصلت منه الاحزاب والتحالفات الانتخابية. لكن النائب السابق مثال الالوسي الذي يجاهر منذ سنوات بزياراته الى اسرائيل ودعواته الى التطبيع معها، قال في تصريح ان المؤتمر “مدعوم من أسماء كبيرة في بغداد” لكنه “لم يسمها”، موضحا ان “أغلب القيادات السياسية السنية والشيعية في المنطقة الخضراء أرسلت برسائل ود عبر طرف ثالث أو قامت بزيارات لإسرائيل، ولكن في العلن خطاباتهم شيء آخر”. واعتبر ان هذا الموقف الملتبس مرده اما الخوف من انتقام ايراني، او استجابة لدعوة الامريكيين بعدم الافصاح عن ذلك لان الوقت غير مناسب!

وربما يكون كلام الالوسي، المعروف بحقده على ايران والسياسيين العراقيين المقربين منها، ويتباهى بتأييده لاسرائيل، فيه شيء من المبالغة، لكن الاجوبة الحاسمة يفترض ان تتبين في سلوك حكومة الكاظمي في الايام المقبلة، لانه الى جانب الذاكرة الشعبية العراقية المتخمة بالموقف المؤيد للحقوق الفلسطينية والمثقلة بالعداء الاسرائيلي للعراق، حتى منذ ما قبل العدوان على “مفاعل تموز” النووي العراقي عام 1981، هناك قوانين عراقية واضحة تجرّم التعامل مع اسرائيل والتواصل معها.

وسيكون ذلك اختباراً ضمنياً ايضاً لعلاقة حكومة بغداد التي عبرت عن رفضها “القاطع” لهذه الاجتماعات “غير القانونية”، بحكومة اربيل، ذلك انها المرة الاولى التي ينعقد فيها مؤتمر علني كهذا يروج للتطبيع بين العراق وإسرائيل على ارض عراقية، برغم انه كانت هناك دعوات من هذا النوع تُطلق بشكل فردي ومتفرق في السابق.

والمؤتمر، ضم اكثر من 300 شخصية وصفت بانها “شيعية وسنية”، من بغداد والموصل، والأنبار، وبابل، وصلاح الدين، وديالى. وذكر بيان باسم المجتمعين “نحن تجمع من السنة والشيعة يضم أعضاء من حركة صحوة أبناء العراق (السنة) إضافة إلى مفكرين وشيوخ عشائر وشباب ناشطين من حركة الاحتجاج (متظاهرو اكتوبر 2019) لقد واجه البعض منا داعش والقاعدة في ساحة المعركة، وأظهرنا بالدم والدموع منذ فترة طويلة أننا نعارض جميع المتطرفين، سواء كانوا جهاديين سنة أم مليشيات شيعية مدعومة من إيران”. ودعا المجتمعون الى التحاق العراق باتفاقات أبراهام التي وقعتها دول عربية مع اسرائيل.

الزعيم العشائري وسام الحردان الذي قاد مسلحين من العشائر السنية التي حاربت تنظيم “القاعدة” في العام 2005، قال في كلمته امام المؤتمر “نطالب بعلاقات ديبلوماسية كاملة مع اسرائيل، وسياسة جديدة للتطبيع بين شعبي الدولتين”. وانتقد الحردان القوانين العراقية التي تجرم التعامل مع اسرائيل معتبرا انها تنتهك حقوق الانسان وحرية التعبير.

اللواء السابق في الجيش العراقي أمير الجبوري الذي شارك في محاولة انقلابية فاشلة على صدام حسين عام 1989، قال امام المؤتمر انه على ابناء الاديان السماوية الثلاثة استكمال نهج النبي ابراهيم معاً.

ومن بين من شاركوا عبر تقنية الفيديو السياسي الاماراتي علي النعيمي، بالاضافة الى نجل بيريز، تشيمي بيريز.

والمشاركة المثيرة للجدل كانت ايضا لسحر الطائي التي وصفت بانها مسؤولة في وزارة الثقافة العراقية، وهي اشارت الى ان عدة لجان ستعمل بعد المؤتمر من بينها لجنة لاحياء التواصل مع الجالية اليهودية العراقية، ولجان اخرى للعمل على قضايا التجارة والاستثمار والاصلاح التعليمي والغاء قوانين حظر التطبيع. ورفضت الطائي مقولة ان التطبيع مع اسرائيل يعني التخلي عن حقوق الفلسطينيين، وقالت إن “اسرائيل كما تعلمون دولة قوية وجزء لا يتجزأ من العالم والامم المتحدة، وليس بامكان العراق تجاهل هذه الحقيقة والعيش بعزلة عن العالم”.

 وبطبيعة الحال، فقد تلقفت اسرائيل هذا المؤتمر وبيانه، بكثير من الترحيب الحار. وقال وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد، ان الحدث “يبعث على الأمل في أماكن لم نفكر فيها من قبل.. نحن والعراق نشترك في تاريخ وجذور مشتركة في المجتمع اليهودي، وكلما تواصل معنا شخص ما، سنفعل كل شيء للتواصل معه”.

ومن المهم الاشارة الى ان المؤتمر رعى تنظيمه “مركز اتصالات السلام” الذي يتخذ من نيويورك مقراً له، وكان أسّسه الخبير الامريكي من أصل يهودي عراقي جوزيف برود. ويعمل الى جانبه مايكل ناهوم الخبير باللغتين العبرية والعربية وبشؤون الشرق الاوسط، والمتابع للحركات المسلحة في سوريا والاعلام في المنطقة العربية، وسبق له ان عاش في دمشق خلال المرحلة الاولى من الحرب السورية، كما درس في عمان وصنعاء، واقام لسنتين في اسرائيل حيث أتقن العبرية في جامعة حيفا وفي هيرتزليا.

والى جانبهما ايضا اللبنانية حنين غدار التي تعمل لصالح معهد واشنطن لسياسات الشرق الادنى، المقرب من اسرائيل واليمين الامريكي الموالي لها، ولها كتابات عديدة حول لبنان وحزب الله وايران وسوريا. وهناك ايضاً الاعلامية الامريكية السورية الاصل هيفي بوظو التي كانت تعمل لصالح “شبكة اورينت نيوز”. ويتعاون مع المركز الامريكي ايضاً الخبير ريبار صلاح الدين عبدالله، المقيم في السليمانية، والذي ينشط في تعزيز تواصل المركز الامريكي مع المجتمع المدني في اقليم كردستان، وايضاً في مجال متابعة الاثار اليهودية في السليمانية والتواصل مع الجالية اليهودية الكردية خارج العراق.

يظهر مؤتمر اربيل الليلي، اختراقاً مباشراً وفظاً للساحة العراقية، تماماً مثلما فعلت اسرائيل في العام 1966، أي قبل 15 سنة من العدوان على “مفاعل تموز” النووي، عندما استدرجت الطيار العراقي منير روفا، لينشق بطائرته السوفياتية الحديثة “ميغ-21” لكشف اسرارها للموساد وللولايات المتحدة التي كانت توّاقة للاطلاع عليها.

ترى كم “منير روفا”، كان بين الحاضرين والمنظمين والراعين في مؤتمر اربيل؟

النص منشور أساسا في موقع “180 بوست”

عن خليل حرب

خليل حرب، صحافي لبناني، مدير تحرير في جريدة "السفير" سابقا. يشغل اليوم منصب رئيس تحرير موقع "جورنال".

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*