الرئيسية » اراء ودراسات » البابا في عراق على درب جلجلة أبدية

البابا في عراق على درب جلجلة أبدية

من حق الجميع في العراق ان يكون سعيدا بمجيء البابا فرانسيس. مجرد قدومه يضفي خبرا سعيدا على بلاد لم تعد سعيدة، أقله في ذاكرتنا الحديثة منذ الثمانينات حتى يومنا هذا.

ولعل آخر الاخبار السعيدة نسبيا التي سمعها العراقيون عندما تشكلت حكومة جديدة في ايار الماضي، بعد فراغ إستمر شهورا. ومذاك، ولا يمر يوم من دون ان تتوالى اخبار الموت والارهاب والوباء والدولار. ولهذا، فان وصول البابا الى بغداد في جولة، مهما تباينت الآراء حول زيارته، تظل بارقة تفاؤل تروي العطش للأمل بالنسبة لكثيرين.

ومع ذلك، فان الزيارة بحد ذاتها، ليست خلاصا للعراق السائر على درب الجلجلة الابدية، فيما يأمل البابا من خلال الصلاة والدعاء، الى مساعدة العراقيين على طي صفحة الالام اللامتناهية، لكنه لن يكون أكثر وضوحا من “مجنون” البيت الابيض الذي حاول ايقاف “الحروب اللامتناهية”، ولم ينجح.

واذ يتحدى الحبر الاعظم، بفعلته هذه، الاقدار العراقية البائسة التي تحتاج معجزة الهية في زمن نضبت فيه المعجزات، فانه سيكون سعيدا بالمقارنة التي أجراها البعض بينه وبين القديس فرانسيس الأسيزي قبل 800 عام، الذي سار على طريق الحوار في عز الحروب الصليبية وجاء الى مصر للقاء ملكها الايوبي.

لكن الحقيقة المرة ان الحروب الصليبية استمرت طوال 80 سنة بعد زيارة القديس التصالحية، لان قرقعة السيوف والرؤوس الحامية طغت وقتها على صوت هذا العاقل اليتيم.

 لم يعد صدام حسين هنا، ولا جورج بوش الاب والابن، ولا “الروح” السوداء الذي صورا كقديس، باراك اوباما، ولا ترامب الذي أفصح عن تململه من العراق. “الدولة العميقة” هي التي لعبت دور الرؤوس “الصليبية الحامية، وأجهضت، باسم مستلزمات الصراع الاميركي الاقليمي، مسعاه للخروج من العراق وسوريا.

ولم تعد وسائل الاعلام الغربية وحتى المرتبطة بمؤسسات دينية سواء فاتيكانية او كاثوليكية او غيرها، تجد حرجا في الادلاء بمواقف لم يكن ممكنا ان نسمعها منها من قبل على شاكلة ان مسيحيي العراق كانوا أفضل حالا بكثير في عهد “النظام البعثي”. ليس سهلا – وان كان مفجعا – ان يتم منح “النظام البائد” صك براءة ولو يتيما في ملف واحد طالما ان غزو العام 2003، قد صار خلفنا، وكان الذي كان.

وفيما علينا نحن، كمواطنين وشعوب هذا الشرق في بلاد الرافدين والشام، ان نتعايش مع انقلاب الروايات والحقائق، بحسب راويها الغربي، فان الحقيقة الساطعة التي يريد كثيرون، بمن فهم البابا نفسه، قولها، ان الغزو وما تلاه، هو ما أنزل هذه الفاجعة بمسيحيي العراق منذ 18 سنة حتى الان.

ولهذا، فان البابا ما لم يسم الاشياء بأسمائها، كأن يقول مثلا ان السكين الذين غرزه بالتتابع بوش الاب، ثم كلينتون، ثم بوش الابن، ثم اوباما وترامب وبايدن، هو احتلال يجب ان ينجلي عن أنفاس العراقيين، مسيحيين ومسلمين، سنة وشيعة، وكلدانيين وصابئة ومندائيين وأرمن وإيزيديين وآشوريين وعرب وكرد وفيليين، لعل خلاص العراق وقيامته، تكتب أخيرا. وما لم يفعل ذلك، فانه يبقي زيارته، وهي الاولى من نوعها لرأس الفاتيكان الى العراق، مقيدة في اطارها الروحي أو ربما الفلوكلوري.

وهناك علامة استفهام محيرة في ماضي البابا فرانسيس جرى طيها تدريجيا مع صعوده منذ سنوات طويلة في العمل الكهنوتي، حيث تعرض الى انتقادات لعدم مجاهرته في العداء للديكتاتورية العسكرية التي حكمت الارجنتين، ونكلت بمعارضيها اليساريين بما في ذلك القساوسة المناضلين.

ومع ذلك، فان هذا الزائر شجاع بلا شك، وهو يحقق حلما لطالما راود بابوات الفاتيكان الذين سبقوه، بأن تطأ اقدامهم الارض التي شهت ولادة النبي ابراهيم، وكانت مهد المسيحية والديانات السماوية، فيأتيها البابا فرانسيس الآن، متجاهلا عفاريت الشر التي تحيط به، من فلول داعشية عاودت الظهور بقوة في يوميات العراقيين، الى فيروسات كورونا التي بسببها لم يخرج البابا من الفاتيكان مسافرا منذ أواخر العام 2019.

ويجيء البابا فرانسيس مدركا ان البابا الاسبق يوحنا بولس الثاني جرب في العام 1999 زيارة العراق، لكن حكومات حصار العراق وظروفه، منعته، فيما كان ملايين الاطفال والنساء والرجال العراقيين يتصارعون مع الجوع والمرض والعوز الذي جعل اكاديميا عراقيا بارزا يجوب بيروت بحثا عن اقلام رصاص! لكن لا السماء أسعفت العراقيين ولا بابا الفاتيكان جاء.

لكن الحق يقال بأن الفاتيكان رفع الصوت عاليا ضد غزو العراق، وكأن البابا يوحنا بولس الثاني كان يدرك، من بين قلة في العالم، ان حرب “حرية العراق” الموعودة، لن تجلب سوى عاصفة المجازر الجماعية للمسيحيين و”اخوتهم” في الانسانية في بلاد ما بين النهرين.

وها هو البابا فرانسيس آتيا على أمل ان يتوقف احصاء الجثث ويبارك أرواحهم سواء في كنسية سيدة النجاة المنكوبة بمجزرة في بغداد، أو في سهول نينوى المكلومة بمقابر داعش الجماعية.

سيصلي البابا من أجل طي صفحة الموت المفتوحة، التي شرعت الابواب، فيما الفاتيكان عاجز منذ سنوات، امام التهجير الجماعي للمسيحيين وغيرهم من الاقليات في العراق وسوريا.

سيقول البابا، ولو متأخرا، للعراقيين، انهم يستحقون خبرا جميلا وان كان يتيما، وان أمله بان أبي مصعب الزرقاوي وابي بكر البغدادي وابي ياسر العيساوي، ليسوا قدرا. وسيقول للمسيحيين ان يتشبثوا بالارض ولا ينسلخوا عن مجتمعاتهم.

وبالمناسبة، كيف يفسر غياب البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي عن زيارة البابا فرانسيس، والاهم أين هو من رؤية الفاتيكان البعيدة للمسيحيين ومصيرهم في المنطقة برمتها؟

خليل حرب

ينشر بالتزامن مع موقع “180 بوست”

عن خليل حرب

خليل حرب
خليل حرب، صحافي لبناني، مدير تحرير في جريدة "السفير" سابقا. يشغل اليوم منصب رئيس تحرير موقع "جورنال".

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*