الرئيسية » Uncategorized » الكويت : هل يستطيع الكتاب خدش الآداب العامة؟

الكويت : هل يستطيع الكتاب خدش الآداب العامة؟

 

منعت وزارة الإعلام الكويتية، في السنوات الخمس الماضية، ما يزيد على 4300 كتاب، لأسباب عديدة، من بينها ما رأته الوزارة خادشاً للآداب العامة. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن في هذا الصدد هو: هل يمكن لكتاب أن يخدش الآداب العامة فعلاً؟

ليست هناك معايير متفق عليها فيما يتعلق بالآداب العامة، فهو الأمر الذي يستشفه القاضي من التقاليد السائدة في المجتمع، وهي تتبدل من زمن إلى آخر، بقدر ما تختلف من شخص إلى آخر، لكن ليست هذه هي المشكلة؛ فهي ليست في غياب تعريف واضح للآداب العامة نبرر بموجبه منع كل هذه الكتب. المشكلة هي في الإجابة عن هذا السؤال، هل يستطيع الكتاب خدش الآداب العامة حقاً؟

وفي خضم هذا الشد والجذب، يطفو التساؤل الاكثر واقعية في هذا السياق، كيف يمكن للكتاب أن يخدش الآداب العامة؟

إن خدش الآداب العامة هي عملية صعبة التحقق من دون جمهور، وبمعنى أبسط؛ وجود جمهور يستقبل المادة (مكتوبة أو مرئية أو مسموعة) في الوقت ذاته، الأمر الذي يمكن تحققه في التلفزيون، وإعلانات الشوارع، والإذاعة، وحتى في الصحف والجرائد التي يتم توزيعها على المنازل بمئات الآلاف من النسخ في اليوم نفسه، والتي يمكن أن تقع في يد طفل أو مراهق أو بالغ في الوقت نفسه، إن حالة التلقي العام يمكن تحققها في هذه الوسائط جميعها، ولكن كيف يمكن لكتاب واحد أن يخدش الآداب العامة”؟

 

الحب في زمن الكوليرا

 

كم عدد الأشخاص في الكويت الذين يقرأون معا، في هذه اللحظة، رواية مثل “الحب في زمن الكوليرا”، أو “مئة عام من العزلة” لغابرييل ماركيز؟ كم يا ترى يبلغ عدد القراء للكتاب نفسه في الوقت نفسه؟ خمسة؟ سبعة؟ إن عملية التلقي العامة للكتاب من قبل جمهور أمر يصعب تحققه مع كتاب أو رواية، والكتب يتم دائما تلقيها بشكل فردي، لا جماعي.

يمكن للكتاب، طبعا، أن يخدش الذوق الخاص لقارئ ما. يمكن أن يقرأ الكاتب سطورا ويجدها محرجة أو مقززة حتى. لكن حتى عندما يحدث ذلك، يبقى الذوق العام والآداب العامة أمرين محصنين تماما من الكتاب.

 

الإشكالية في قانون المطبوعات

 

وفي الحديث عن القانون الذي تحتكم إليه الإعلام في هذا الصدد،

فإن البند الثالث في المادة 21 من قانون المطبوعات يمكن فهم وجودها لارتباطها بالصحف والمجلات، ولكن الأمر تقنيا صعب التحقق بالنسبة إلى كتاب فلسفي، دراسة علمية، أو رواية. هذا يعني أن كل الموسوعات العلمية والتاريخية التي منعت بحجة وجود صور لمايكل أنجلو، فضلا عن آلاف الروايات العربية والعالمية التي منعت في السنوات الخمس الأخيرة، بحجة حماية الآداب العامة، لم تكن قادرة على خدش الآداب العامة في المقام الأول أصلا.

إن الإشكالية الحقيقية في قانون المطبوعات الحالي هي أنه ساوى بين الكتب والصحف في بند العقوبات والمحظورات، وفرق بينهما في مسألة الرقابة المسبقة واللاحقة. فالصحف تتمتع برقابة لاحقة، ويمكن لمن يجد في محتوى صحيفة ما خدشا للآداب العامة أن يلجأ إلى القضاء كمتضرر، لكن الكتب (التي لا يتم تلقيها من قبل العموم أصلا) ترزح تحت مقصلة الرقابة المسبقة، ويتم اتهامها بما هي عاجزة عن فعله أصلا، وهو خدش الآداب العامة.

 

فوبيا” الكتب

 

ومع تزايد معدل العزوف عن القراءة وندرة القراء في العالم العربي، يجدر بالدولة المتمثلة الأخيرة عربيا على مستوى حرية النشر والتعبير، وأن تبدأ في مراجعة تلك التشريعات واللوائح التي فرغت المكتبة الكويتية من محتواها، وأودت بخيرة كتاب الكويت إلى قائمة المنع.

الإشكالية الأخرى التي تواجهها الكويت أمام مجزرة الكتب التي ترتكبها وزارة الإعلام بمباركة من السلطة التشريعية، هو أننا فعلا إذا احتكمنا الى رأي الشارع في تحديد الآداب العامة، فسوف ننتهي الى منع كل الكتب بلا استثناء.

 

 

كتب التراث

 

يبدو أن مقص الرقيب لن يسلم منه أحدا، فإن المنع لا يقتصر على الكتب العلمية والتاريخية والروايات الحديثة، بل سيمتد الأمر الى التراث العربية برمته، وسوف نضطر الى منع “ألف ليلة وليلة” و”المعلقات السبع”، و”تحفة العروس”، و”رشف الزلال من السحر الحلال” للسيوطي، و”نزهة الألباب بما لا يوجد في كتاب” للتيفاشي، وكتاب “رجوع الشيخ الى صباه” للعالم أحمد بن سليمان، و”الروض العاطر في نزهة الخاطر” لمحمد النفراوي، و”العقد الفريد” لابن عبدربه الأندلسي، وكتاب “الأغاني” للأصفهاني، وغيرها وكلها كتب تدور حول العلاقة الجنسية، وتعتبر في صميم تاريخنا الثقافي.

واحد يحدد السن القانونية لامتلاك هاتف نقال. لكن تستطيع الدولة أن تحمي شريحة الأطفال والمراهقين من أي محتوى جنسي دون أن تضطر الى منع الكتب.

إذا كانت شركات السينما في الكويت، أخيرا، تحدد السن القانونية لمشاهدة فيلم، وإذا كانت متاجر السجائر تخضع لسنّ قانوني لبيع السجائر، فالأمر نفسه يصح على المكتبات ودور النشر، وبدلا من منع 4300 كتاب في خمس سنوات، يمكن للدولة ببساطة أن تطبق نظام التصنيف العمري على جميع المكتبات ودور النشر، وفي حال قام بائع ببيع كتاب غير لائق لطفل أو مراهق، يمكن للدولة أن تقاضي هذا البائع وتنزل به العقوبات المناسبة.

 

إن مشكلة وجود محتوى جنسي في الكتاب ليست مشكلة بلا حل، ويمكن حلها ببساطة بخطوات عملية تم الأخذ بها مسبقا فيما يتعلق بالأفلام والسجائر وغيرها. المشكلة ليست في سؤال كيف تحمي الدولة الأطفال من الكتب غير المناسبة، المشكلة هي أن نكون كلنا في نظر الدولة مجموعة أطفال فاقدي الأهلية.

لقد تجاوزت الدولة حدود الحماية الى حدود فرض الوصاية، وبفضل تلك السياسات تراجعت الكويت “بلد الحريات سابقا” الى المرتبة الأخيرة فيما يتعلق بحرية الكتاب.

الى نواب مجلس الأمة الذين أقسموا على الدستور بأن يذودوا عن حريات الشعب، نحن في انتظار أن تذودوا.

في هذا السياق، يقول الكاتب والمخرج المسرحي بدر محارب، الكثير ممن يتعاطون الشأن الثقافي، سواء كانوا مبدعين أو مسؤولين رسميين متابعين أو حتى (غير مسؤولين) نجدهم يتداولون الآداب العامة، وخدش الآداب العامة، دون أن يتفقوا على تعريف واحد موحد شامل لهذه الآداب العامة، فما يعتبر خدشا للآداب في زمن معيّن قد يصبح أمرا مألوفا في زمن آخر، وأحيانا لا تتعدى الفترة الزمنية بين المحرم والمباح عقدا واحدا من الزمن، وحتى المكان والبيئة يؤثران على وضع تحديد موحد للآداب العامة، فهنا محرم، وهناك مباح، وذلك في زمن واحد، ومع ذلك استخدم المشرع هذا المصطلح المطاطي لتضمينه قانون المبدعين وإبداعاتهم، كوسيلة محكمة للمنع والقمع من خلال استخدام العبارة السحرية الشهيرة: “تم منعه لمخالفته الآداب العامة”.

ويضيف:” إن أقصى ما يطالب به المبدعون هو إعادة النظر في القوانين المقيدة لحرية التعبير والنشر بالصحيفة، ويمكن لوزارة الإعلام التعامل مع المخالف قضائيا ووقف بيع منشوره بأمر من النيابة، ثم يحق للمتضرر اللجوء للقضاء إن شاء والمطالبة بالتعويض المناسب”.

وحول السبل التي ربما يلجأ إليها الكاتب للوثوب على الرقابة وتجاوز تعسفها المستمر، يرى محارب إن أهم أماني الكاتب أو المتلقي، على حد سواء، هو مساحة أكبر للإبداع، ونافذة جديدة كبيرة للأساليب الملتوية لتحقيق ذلك، والتعرف على ثقافة الآخر وإبداعاته الجديدة.

 

المفهوم المطاط

 

وبدوره، يرى الروائي سعود السنعوسي أن ثمة مشكلة أضخم تستتر خلف المنع، ويقول ضمن هذا السياق:” أرى أنه الى جانب الإشكالية في إيجاد مفهوم واضح لمسألة خدش الآداب العامة، فإننا أمام مشكلة أخرى، هي الجهل بما يندرج تحت هذا البند، فعلاقة القارئ بالكتاب علاقة محضة، فنحن لسنا إزاء مسلسل درامي يدخل كل بيت، أو مسرحية يحضرها المئات من الجمهور، أو فيلم يعرض على شاشات السينما، أو تسجيل فيديو متداول عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي في فضاء الإنترنت المفتوح، لا بأس في أن يتم تصنيف الكتب وفق الفئات العمرية، مع التزام الناشر والمكتبة، إنما مسألة منع الكتاب بحجة ورود مواضيع أو جمل تتعرض للآداب العامة، فالأمر بعيد كل البعد عن المنطق. تحويل النصوص في الكتب إلى أمر عام، أمر بعيد عن الواقع، إذ إن ما يميز الكتاب هو الخصوصية بينه وبين القارئ”.

ويتابع :” الأمر الآخر هو صعوبة الاتفاق على صيغة واضحة لما يخدش الحياء العام – على افتراض أن من شأن الكتاب أن يفعل -، فإن احتواء الكتاب على مشهد قبلة على سبيل المثال من شأنه أن يخدش حياء البعض، وفق مفاهيمه، لكنه بالضرورة لا يخدش حياء البعض الآخر. فأين هي المسطرة التي تحدد هذا المفهوم المطاط؟

 

فئران أمي حصة

 

ويورد السنعوسي جانباً من معاناته الشخصية مع الرقابة، ويوضح :” من خلال تجربة شخصية في قضية منع رواية “فئران أمي حصة”، فإن القضاء الكويتي شدد في نطق الحكم بشأن ورود بعض المفردات في الرواية، والتي أدرجها الرقيب تحت بند خدش الآداب العامة، يقول القضاء: “… ومن ثم فإنها وإن كانت تعبيرا خارجا عن المألوف، إلا أنها لا ترقى الى تعييب بعض عبارات واقعية تلوكها الألسن”، كما تضمن الحكم أن “المحكمة تؤكد على حق ممارسة حرية التعبير (وإن جاوزت حد المألوف)، طالما كان هذا التجاوز لا ينال من ثوابت الأمة وعقيدتها.

 

العجمي: الكتب القبيحة والخادشة للحياء الحقيقي متوافرة في كل مكان

 

ومن جانبه، يقول العميد المساعد للشؤون الأكاديمية والدراسات العليا والأبحاث في كلية الآداب في الكويت د. عبدالهادي العجمي إن ظاهرة منع الكتب تعد من المظاهر التي تعكس حالة تقدم الدول ومعايير الحرية فيها، الأزمة الحقيقية والمتضاربة وفق هذا المقياس تتمثل في أن العالم كله يستطيع أن يقيس نسبة الحريات الفكرية من خلال النظر لظاهرة منع الكتب، وبلا شك أن ظاهرة منع الكتب تتوافر فقط في الدول التي تأتي في مصاف الدول المتخلفة في تصنيف التقدم العالمي.

ويضيف العجمي «المصيبة الأعظم التي تزايدت في هذه الأيام أن كل الكتب الممنوعة متوافرة على الإنترنت”، بل الأسوأ من ذلك أن كل الكتب القبيحة والخادشة للحياء الحقيقي متوافرة في كل مكان، وبطرق لا يقدر أحد على أن يمنعها، إذا، ما طبيعة هذا المنع؟ هذا المنع يتجاوز حقيقة المنع إلى كونه شكلا من أشكال الصراعات السياسية وقلقا سياسيا من حالة توافر الكتب».

ويتابع «من الممكن أن نجاح فكرة خدش الكتب للحياء العام التي هي ممتنعة عقلا في التصور الموجود، بأن كل كتب التراث بما فيها كتب الفقه لو قرئت عبر زاوية أصحاب فكرة سد الذرائع، أو منع الناس من الاطلاع، ومن منظور الرقباء وتقرير ما يقرأ الناس، لو اطلعوا على كتب الآداب الموجودة لدينا في الجامعة، والمتوافرة في جميع المكتبات، أو لو قرأوا “رسائل الجاحظ” سيتم منعها حسب معاييرهم الخاصة، وسيطول المنع حتى الشعر العربي، فهل سيأتي أحدهم ويمنع قصائد المعلقات، لأن فيها أبياتا ذات إيحاءات، أو فيها إشارة إلى الديانات»؟

ويتساءل «هل ستمنع كتب التاريخ التي تتحدث عن الآلهة والديانات المختلفة؟ كل هذه الكتب من الممكن إذا بحث فيها الرقيب سيجد فيها نفس دوافع المنع».

ويختم العجمي «والسؤال هنا: ما الذي يجعل الجهة التي تقرر المنع والحظر تستمر في استنزاف واستفزاز صورة حرية القراءة والاطلاع في الكويت؟ في ظل وجود كل هذه المواد بدرجات أعلى ومضاعفة في “الإنترنت” وفي متناول كل من يود الوصول إلى هذه الكتابات؟! لذلك أعتقد أن فكرة المنع فكرة سلبية تضر بصورة المجتمع، لا بل هي فكرة وهمية ومضيعة للوقت والجهد والمال العام بإقامة هذه اللجنة لمنع الكتب».

 

عن جريدة “الجريدة” الكويتية

 

http://www.aljarida.com/articles/1537287851913686700/

 

 

عن جورنال