الرئيسية » العالم » قانا : دقائق الصمت الخمسة للمجزرة
من مجزرة قانا
سياسة في قانا ( عباس سلمان )

قانا : دقائق الصمت الخمسة للمجزرة

قبل الساعة الثانية عصرا بقليل، انهالت صواريخ الموت، وساد صمت طويل. كانت لوحة المجزرة ترتسم بالدم في لبنان امام العالم الذي لم يحرك ساكنا على الرغم من ان قانا، خطت حروفها في كتاب تاريخ الانسانية، منذ ما قبل ذلك اليوم في 18 نيسان 1996، بكثير.

خليل حرب

++++++++++++++++++++++++++++++++++

مر 23 عاما على المجزرة التي ارتكبتها اسرائيل عن سبق اصرار وترصد، وما زالت هناك روايات تحكى عما جرى في عصر ذلك اليوم مع اهالي قرية قانا واخواتها. 106 شهداء وعشرات الجرحى، قدموا دماءهم من اجل لبنان وقيامته.

محمد عبدالله جعفر روى لنا كشاهد نجا من المجزرة الاسرائيلية، وقائع من حياة الشهداء والضحايا في ايامهم لاخيرة تحت علم قوات الامم المتحدة في ثكنة القيادة في قانا.

يوم الجمعة 12 نيسان 1996، اشتد القصف الاسرائيلي في قانا ومحيطها. قرر محمد جعفر الذي كان يعمل مع قوات الامم المتحدة، باخراج عائلته نحو بيروت، ولهذا توجه الى مقر القوة الفيجية لابلاغ قائدها بعزمه المغادرة، ليكتشف عند البوابة الرئيسية وجود العديد من السيارات المدنية اللبنانية، وما بين 30 و40 شخصا يتجمعون عند المدخل حيث ابلغه احدهم ان الناس تريد الالتجاء الى ثكنة اليونيفيل، لكن ذلك متعذر.

الناجي من المجزرة محمد جعفر

سعى محمد جعفر لاقناع قائد القوة الفيجية بادخال المدنيين، وذكره بان الناس لجأت الى مقر القوات الدولية خلال العدوان الاسرائيلي السابق في العام 1993، لكن قائد القوة الدولية كان قلقا بسبب حالة الحرب القائمة. ذكره محمد جعفر بان اساس وجود اليونيفيل هو خدمة الانسانية، عندها تراجع الضابط الفيجي عن تحفظه، وسمح بدخول الناس.

وصارت الناس، مع استمرار القصف العنيف على قرى المنطقة، تتدفق على الثكنة الدولية. من قانا، صديقين، جبال البطم وغيرها. وبحلول الساعة الرابعة عصرا، كانت الثكنة، قد استقبلت 935 شخصا. فوجئ محمد جعفر وضباط الثكنة بالعدد الكبير نسبيا، اذ ان الموقع العسكري غير مجهز بملاجئ، ولا حتى بغرف كافية لايواء كل هؤلاء. بعض الضباط تخلوا عن غرفهم من اجل العائلات اللبنانية. هناك اكثر من الف شخص داخل الثكنة اذا احتسبنا العسكريين الدوليين الذين يصل عددهم الى 115.

رفض الضابط الفيجي السماح لمحمد جعفر ان يغادر الى بيروت، متمنيا عليه البقاء في ظل هذا النزوح المباغت للمدنيين.

يؤكد محمد جعفر ان الهجوم الاسرائيلي على الثكنة لم يكن خطا مثلما ادعى قادة العدو، اذ ان موقع اليونيفيل موجود منذ العام 1972 منذ اول قدوم للقوات الدولية الى الجنوب، وبالتالي هو معروف للجميع، بما فيهم اسرائيل التي تدرك تماما مواقع القوات الدولية وترصدها، خصوصا ان الثكنة ليست صغيرة، ونشاطها يشمل 27 قرية في منطقة صور.

عقد اجتماع تنسيقي. وانتظمت حياة الناس داخل الثكنة، وتشكل ممثلون عن كل مجموعة لمتابعة حاجاتهم اليومية من طعام وشراب وادوية. وبرغم الحقد الاسرائيلي المحدق بهم من كل صوب، ساد جو من الطمانينة تحت علم الامم المتحدة. كان يجب معاجلة مشكلة ملائمة نظم العسكريين الدوليين وقوانينهم، مع فكرة وجود مئات المدنيين وسطهم، خصوصا في ما يتعلق بتامين الغذاء الذي كانت الثكنة تجلبه لجنودها من الناقورة، والمياه التي كانت تجلب بشاحنات نقل المياه، ونتيجة الحرب لم يعد جنود اليونيفيل يتحركون خارج القاعدة العسكرية. تبين ان بعض النازحين يمتلكون دكاكين في قراهم بالامكان الاستفادة من مخزونها الغذائي، لكنهم بطبيعة الحال كانوا يخشون المغادرة والتجول في الطرقات التي تتعرض للقصف. “ارسلناهم بملالات اليونيفيل، لجلب بضاعتهم من دكاكينهم، لتوزيعها وبيعها داخل الثكنة”، قال محمد جعفر.

والى ما قبل 18 نيسان، كان الوضع شبه طبيعي برغم القصف الاسرائيلي حول الثكنة.  وكان الجنود الفيجيون، كلما شعروا بخوف الاطفال، عزفوا لهم الموسيقى. كانت هناك اجواء عائلية ان صح التعبير، الناس متكاتفة ومتعاونة وتتقاسم رغيف الخبز.

في 18 نيسان، وصلت مساعدات غذائية الى الثكنة، كافية للعائلات الملتجئة بالحماية الدولية. يصمت محمد جعفر وهو يتحدث كان مشاهد تلك اللحظات تكتسح مخيلته. بينما كانت المساعدات الغذائية توزع على الناس، بدا القصف، في تمام الثانية الى خمس دقائق عصرا.

35 قذيفة ظلت تنهمر خلال خمس دقائق. بعضها كان انشطاريا وانفجر فوق رؤوس المدنيين ليقطعهم اشلاء. يعتقد ان مدافع 155 ملم اطلقت حممها من منطقة راس البياض. “لم تكن طائرات” يؤكد محمد جعفر. لكن كان هناك طائرات استطلاع في السماء، بالاضافة الى طوافتين.

“خمس دقائق، والقصف مستمر، وضباط الثكنة ابلغوا قيادة الناقورة بتعرضهم للهجوم، لكنه لم يتوقف”. يقول محمد جعفر “لم يكن هناك سوى صوت الانفجارات تتوالى كانه دهر. وكان الناس تجمدت. لا اصوات هناك. ينهمر الموت عليهم وتتعالى الانفجارات ولا نسمع صوت الناس. كان الصدمة شلت الجميع”.

وعندما توقف القصف، علا الصراخ والعويل في كل مكان. كشفت المجزرة عن وجهها الدموي. اشلاء في كل مكان. وبرك من الدماء. المفجوعون يبحثون عن الاحبة. 106 شهداء، وعشرات الجرحى بينهم العديد ممن تقطعت اطرافهم بسبب الانفجارات الاشطارية. عائلات اسماعيل، برجي، بيطار، بلحص، خليل وجابر وغيرها، نكبت في صميم وجودها.

البوابة الخلفية للثكنة مقفلة، ولم يظهر العسكري الذي يحمل مفاتيحها في خضم فوضى الرعب. جلبوا ملالة لخلع البوابة. فجاة تدفقت السيارات من كل قرى المنطقة لنقل الضحايا واغاثة الجرحى.

لكن الفاجعة كانت قد حلت. قانا التي نعرفها لم تعد كما كانت. جاراتها، دير عامص، وعيتيت وحناويه وصديقين، ارتدت هي الاخرى ثياب الموت والفجيعة، بل ان لبنان بكل تلاوينه السياسية والدينية والاجتماعية، ارتدى ثياب الحداد.. والتحدي.

جارة الجليل، ارض معجزة المسيح، ستحتضن ليلتها ابناءها المكلومين. و”عناقيد الغضب” التي ارادتها اسرائيل، كما تفعل دوما، ذريعة للدفاع عن نفسها، تحولت الى واحدة من ابشع جرائمها بحق اللبنانيين والعرب عموما، وعززت تصميم لبنان على المقاومة الذي تجسد بعد ذلك باربع سنوات فقط عندما اجبر الاحتلال على الانسحاب في العام 2000.

كان من الواضح بالنسبة الى لبنان ان اسرائيل تحاول الحاق اكبر قدر ممكن من الخسائر باللبنانيين لاجبارهم على الانصياع لشروطها السياسية والامنية. يستدل على ذلك من حجم الخراب الذي الحقته بهم اقتصاديا.

فبحسب الامم المتحدة، تسببت الغارات والقصف المدفعي في الحاق اضرار فادحة ب17 قرية، واضرار كبيرة في 71 قرية، واضرار متوسطة وطفيفة بعشرات القرى الاخرى.

ودمر عدوان “عناقيد الغضب” 430 وحدة سكنية بكشل كامل، بالاضافة الى اكثر من ستة الاف وحدة سكنية بشكل متوسط او جزئي، الى جانب المستشفيات والمستوصفات ودور العبادة.

ووجهت اسرائيل ضربات قاسية لشبكة الكهرباء لاغراق لبنان في العتمة، فتضررت 82 محطة كهربائية، ابرزها محطة الجمهور في بيروت، ومنها 52 محطة اصيبت باضرار جزئية، و7 بتدمير متوسط، و23 بتدمير كامل. كما هاجمت 14 جسرا، ودمرت خزانين للمياه يغذيان عشرات القرى، الى جانب تدمير عشرات الطرقات وشبكات الهاتف، و99 مؤسسة صناعية وحرفية، ونحو 1400 محل ومستودع، و52 مزرعة. بالاجمال، قدرت الخسائر بنحو 500 مليون دولار.

وخلال 16 يوما، شنت اسرائيل الفي غارة مستخدمة اكثر من 35 الف قذيفة.‏ وكان الشعار المركزي لرئيس الحكومة الاسرائيلي شمعون بيريز ان على لبنان تفكيك “حزب الله”.

لم تتحقق تمنيات العدو الاسرائيلي، ذلك ان “تفاهم نيسان” اقر بحق المقاومة في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي للجنوب، وهو اتفاق وقعه لبنان وسوريا الى جانب الولايات المتحدة وفرنسا واسرائيل.

اما الهدف الاخر لشمعون بيريز المتثمل بمحاولة حشد التاييد الشعبي لاعادة انتخابه لولاية جديدة، فلم يكتب له النجاح. كما ان محاولة اسرائيل فصل المسارين السوري واللبناني في مفاوضات السلام، لم تتحقق، فيما كانت دمشق طرفا في اتفاق “تفاهم نيسان” نفسه. اما لبنانيا، فقد تعزز التفاف اللبنانيين حول فكرة المقاومة بعدما شاهدوا بوضوح مدى حقد اسرائيل على شعبهم ومقدراتهم الاقتصادية وبلادهم.

كل ذلك تحقق برغم الدماء الغزيرة التي سفكت في قانا، والاهم ان لبنان خرج اكثر قوة، عربيا ودوليا بفضل التعاطف والتاييد الكبير بالاضافة الى الدعم الاقتصادي الذي تلقاه لتجاوز اثار التخريب الاسرائيلي الذي لحق به. وحدها واشنطن منعت ادانة المجزرة الاسرائيلية في قانا، واستخدمت “الفيتو” ضد مشروع قرار في مجلس الامن الدولي ينص على ادانة الجريمة الاسرائيلية، واكتفت الولايات المتحدة بالمطالبة بوقف اطلاق النار بين الطرفين.

قانا التي تبلغ مساحتها نحو 11 كيلومتر مربع وتعتبر من اكبر قرى محافظة صور في الجنوب، لم تكن ضحية الهمجية الاسرائيلية لمرة واحدة فقط. في العام 1982 اثناء الغزو الاسرائيلي لاحتلال بيروت، عمد جنود العدو الى حرق مغارة تاريخية حيث حقق السيد المسيح اعجوبة تحويل المياه الى نبيذ.

وفي العام 2006، ارتكبت اسرائيل مجزرة اخرى في قانا عندما قصفت مبنى سكنيا احتمى بداخله عشرات المدنيين، فقتلت 55 شخصا بينهم 27 طفلا.

عن خليل حرب

خليل حرب
خليل حرب، صحافي لبناني، مدير تحرير في جريدة "السفير" سابقا. يشغل اليوم منصب رئيس تحرير موقع "جورنال".

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*