الرئيسية » اراء ودراسات » عقيدة الصدمة ورأسمالية الكوارث: لبنان بين السيادة الاقتصادية “ومدرسة شيكاغو”

عقيدة الصدمة ورأسمالية الكوارث: لبنان بين السيادة الاقتصادية “ومدرسة شيكاغو”

د.طارق عبود

يقول هاينر مولر، أبرز كتّاب المانيا الشرقية الذي عُرف بنقده الشديد للنظام الشيوعي،عندما هدم الألمان الشرقيون جدار برلين في  العام 1989: “ونحن نحطّم جدار برلين، كنّا نظنّ أننا نقتحم باب الحرية، فإذا بنا نقتحم باب السوق الذي صرنا سلعا فيه.”

في الحروب والأزمات الاجتماعية، عادة ما يكدّس الناس العاديون ما يحتاجونه من أغذية ومعلّبات ومؤن، تحسبًا لطارئ ما، فيتهافتون على المخازن والمحلات لشراء ما يقيهم وأُسرَهم الجوع والعوز. ولكن في الغرف المقفلة، يوجد سياسيون واقتصاديون يراكمون أفكار “السوق الحر”  لطرحها وتمريرها بسرعة الطلقة التي تخرج من فوّهة البندقية أثناء وقوع الكارثة، بهدف فرض تغييرات سريعة وجذرية لا رجعة فيها، في عملية استباق للمجتمع، قبل أن يصحو من الصدمة. ما يعني شحذ الهمم للعمل بين الركام والغبار والجثث للاستثمار في الوقت والخوف والفوضى.

تقول نعومي كلاين مؤلفة كتاب “عقيدة الصدمة، رأسمالية الكوارث”، إنّ المؤامرة لا تدمر العالم، بل التحولات الخاطئة والسياسات الفاشلة، مع مظالم صغيرة وكبيرة.

في انتظار وقوع الكارثة

 يقول ميلتون فريدمان الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد في العام 1976، وهو أحد المنتمين إلى “مدرسة شيكاغو “: وحدها الأزمة، سواء الواقعة أو المنتظرة، بإمكانها أن تُحدثَ تغييرًا حقيقيًا”.

 فبينما يعاني الناس أهوال الكارثة، ويصابون بالذهول إزاء الصدمة (طبيعية، أو من جراء الحرب، أو أزمة اجتماعية او اقتصادية) يركّز اللاعبون الحقيقيون على تمريراتهم الحاسمة من إجل إصابة الهدف، باعتبار ما يطرحونه هو “إصلاحات” تأتي على ركام الخراب والفساد والفشل.

 احدى أهم التجارب التي طُبّقت خلالها نظرية”عقيدة الصدمة، ورأسمالية الكوارث” كانت أثناء الانقلاب العسكري في تشيلي في الحادي عشر من أيلول من العام 1973 الذي قاده الجنرال أوغستو بينوشيه. فبينما كانت الدبابات تدكّ المباني، وتسحق المعارضين للانقلاب، وبينما كان بينوشيه يستعرض جثث القتلى في استاد العاصمة التشيلية لكرة القدم؛ كان هناك “وثيقة اقتصادية” يجري صياغتها وطبعها في المطابع، تحاكي ما ورد في كتاب “الرأسمالية والحرية” للمنظّر اليهودي الأميركي ميلتون فريدمان، يطبَق فيها نظرية “رأسمالية الكوارث”، وتضمنت توصيات الوثيقة: الخصخصة، والحد من الإنفاق الاجتماعي، وإزالة العوائق. ما يجعل السوق الاقتصادية حرة. وقد كانت نتيجتها كارثية، حيث وصل التضخّم في السنة التالية إلى (%375)، وكانت هذه أبرز تجارب رأسمالية الكوارث.

عقيدة الصدمة

في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، موّلت وكالة الاستخبارات المزكزية الأميركية بعض البرامج النفسية، التي تهدف إلى إجراء تجارب دماغية على المرضى النفسيين، وذلك لاستخدامها فيما بعد في عمليات “غسل دماغ” للمعتقلين السياسيين. كان من بين تلك الوسائل “الصدمات الكهربائية”، وبعض حبوب الهلوسة. كل ذلك كان بهدف العبث بالعقل البشري، وإعادته إلى حالته الأولى. قماشة عذراء لم تحظ بالتجارب بعد، ولم تلّوثه أي فكرة. وينتقل بعدها إلى مرحلة “الإصلاح”. فبعد أن يعيد الأطباء النفسيون مرضاهم إلى مرحلة تشبه الطفولة، يلجأون إلى تكوين شخصيات جديدة لهم. سواء كانت تلك الشخصيات تتماشى مع رؤية وكالة الاستخبارات الأمريكية، أو غيرها. بعد هذه “الصدمة”، يفقد المرضى كثيرًا من ذاكرتهم؛ وتصبح عقولهم مشوّشة بشأن بعض الذكريات التي تم مسحها في فترة العلاج. تشبه ناعومي كلاين تلك الصدمات الكهربائية، بالصدمات الإقتصادية الخاصة بـ”رأسمالية الكوارث”. فالأسلوب الذي استخدمته وكالة الاستخبارات الاميركية من أجل انتزاع الاعترافات من المعتقلين، ومحو ذاكرتهم، هو الأسلوب المتّبع نفسه أثناء حلول الكارثة، تمثّل فيه الحرب أو الكارثة الطبيعية “صدمة كهربائية” يتعرض لها المجتمع. حينها يستطيع خبراء الاقتصاد، إدخال أفكار “السوق الحرة”، وما يحسبونه “إصلاحات اقتصادية” إلى المجتمع، في غفلة من الناس، ومن دون أدنى مقاومة.

في كتابها” عقيدة الصدمة، صعود رأسمالية الكوارث” تقول الكاتبة الكندية ناعومي كلاين:

إن نظام “رأسمالية الكوارث” عنيف ويتطلب الإرهاب أحيانًا ليقوم بعمله. فقد مهّدت الأزمة المالية الآسيوية (1997) الطريق أمام صندوق النقد الدولي لفرض برامجه بالمنطقة، وبيع شركات حكومية لبنوك أجنبية، وشركات متعددة الجنسيات.

وبالنسبة إلى ناعومي كلاين، تبدو الدروس المستفادة واضحة: تصاب البلدان بصدمات الحروب والهجمات الإرهابية والانقلابات العسكرية والكوارث الطبيعية، ثم تصاب بصدمة ثانية بواسطة شركات وسياسيين يستغلون الخوف والارتباك الناجم عن الصدمة الأولى لتمرير العلاج بالصدمة الاقتصادية. أحيانًا، عندما لا تنجح الصدمتان الأوليان في القضاء على المقاومة، تُستخدَم صدمة ثالثة: (مجازًا) الكهرباء في زنزانة السجن، أو بندقية الصدمات الكهربائية في الشوارع، لمن يجرؤ على المقاومة.أي الإرهاب بالقوة.

وتضرب أمثلة عديدة على تحيّن الشركات الكبرى للكوارث التي تصيب الدول والمجتمعات كي تستثمر في الموت والدمار، فتقول: أتاحت كارثة تسونامي لحكومة سريلانكا طرد الصيادين من قراهم الساحلية لبيعها لشركات الاستثمار الفندقي.   بعد أشهر من هذه الكارثة، تسجّل نسخة أخرى للمناورة نفسها: تواطأ مستثمرون أجانب ومقرضون دوليون لاستخدام جو الهلع لتسليم الساحل الجميل لرجال أعمال، سارعوا ببناء منتجعات كبيرة، ومُنِعَ الصيادون من العودة إلى قراهم. وبعد أن ضرب إعصار كاترينا مدينة نيو أورليانز الاميركية، اكتشف سكانها الذين شتتهم الإعصار، أن مساكنهم ومستشفياتهم ومدارسهم العامة لن يُعاد فتحها ثانيةً. كان واضحًا أن هذه أفضل طريقة لتحقيق أهداف الشركات: استخدام لحظات صدمة المجتمعات لبدء هندسة اجتماعية واقتصادية راديكالية. كذلك، أتاحت اضطرابات بولندا وروسيا (بعد انهيار الشيوعية) وبوليفيا (بعد تضخم الثمانينات) للحكومات فرصة دس “العلاج بالصدمة” رغم مقاومة الجماهير. وأتاح دمار الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 لجورج بوش شنّ حرب تهدف لإنتاج سوق حرة بالعراق، وتغيير وجه المنطقة.

 لذا، فإنّ الغارات على القطاع العام عقب الكوارث، هي فرصٌ مثيرة للسوق، في أفضل تظهير لما يُسمى بـ”رأسمالية الكوارث.”

 تؤكد الكاتبة كلاين أن السياسات الاقتصادية النيوليبرالية: الخصخصة، وتحرير التجارة، وخفض الإنفاق الاجتماعي؛ التي فرضتها “مدرسة شيكاغو”، ومنظّرها ميلتون فريدمان عالميًا، كانت سياسات كارثية. ولأن نتائجها وخيمة، وتؤدي إلى الكساد وتفاقم الفقر، ونهب الشركات الخاصة للقطاع العام؛ فإنّ وسائلها شيطانية، تعتمد على الاضطرابات السياسية والكوارث الطبيعية والذرائع القسرية لتمرير “إصلاحات” السوق الحرة المرفوضة شعبيًا.

وتقول:إن رأسمالية الكوارث وهي (هندسة سريعة الطلقات تجريها الشركات لمجتمعات تترنح من الصدمات) لم تبدأ بكارثة الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، بل تعود أصولها إلى جامعة شيكاغو منذ خمسين عامًا بقيادة ميلتون فريدمان؛ حيث تخرّج مفكرون، ومحافظون جدد ونيوليبراليون منها، ولا يزال تأثيرهم إلى اليوم عميقًا في واشنطن.

العلاج بالصدمة، وتجربة الانهيار في لبنان

اذا كنّا نسعى إلى تصغير الدائرة، وعدم تبنّي تظرية المؤامرة بالكامل، فيما يحدث اليوم في العالم نتيجة الكوارث التي خلّفها “فايروس كورونا” فإنّه الفرصة الأمثل لاستغلال الكارثة. ولذلك بحث مستقل؛ أما في لبنان، فإنّ بلدنا مرّ في السابق بمرحلة شبيهة، في الحرب الاهلية وما بعدها- شركة سوليدير- نموذجًا، وهو يمرّ اليوم في مرحلة حرجة تقارب الكارثة، ونسمع كل يوم المطوّلات المدحية من مجموعة ما، “عصابة بيروت” وليس “مدرسة شيكاغو” فقط، لوصفات صندوق النقد، ولأهمية الخصخصة وتحرير سعر الصرف، ورفع الدعم عن السلع الأساسية، وبيع القطاع العام، الذي “لم يأتِ إلا بالخسارة” على حد قول المروجين لبيعه. إضافة إلى تلزيم الكهرباء إلى القطاع الخاص، وغيرها من الأفكار الشيطانية التي سترهن البلد لثلّة من اللصوص، أمعنوا في سرقة البلد ونهبه بعد الحرب، واليوم يقدّمون الوصفات الجاهزة للإجهاز على ما تبقّى من مؤسساته ومقدراته.

 يقول منظّرو “عقيدة الصدمة” أن لا شيء يمكن أن ينتج القماشة البيضاء الشاسعة التي يشتهونها، سوى كارثة كبرى. في هذه اللحظات الطيّعة، وعندما نكون مشتتين نفسيًا، ومقتلعين من ديارنا، يبدأ فنانو الانهيارعملهم لإعادة تشكيل العالم.

هذا ما يريدون فعله في لبنان، فهل من متعّظ؟؟

هذا سؤال برسم المعنيين.

*أستاذ جامعي وباحث من لبنان

عن جورنال

Avatar

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*