الرئيسية » اراء ودراسات » يا أيها الأرض .. كل هذا الظلم !

يا أيها الأرض .. كل هذا الظلم !

ماذا لو التقطنا صورة من السماء للارض؟ ما هو شكل العالم الذين نعيش فيه؟ ماذا لو كانت الصورة شديدة التفصيل لدرجة انها ستخبرنا، بالارقام، شكل حياتنا وصورتها، والاهم مفارقاتها. في الآتي قراءة لعالمنا بالارقام، وهي محاولة لا مفر فيها، من الوقوع في فخ سواد المشهد القائم.

خليل حرب

+++++++++++++++++++++

ليس بالامكان الادعاء ان صورة العالم وردية، ذلك ان غالبية الوقائع التي تحيط بنا يمنة وشمالا، تشير الى اننا، غالبية اهل الارض، نسير في مسار انحداري برغم كل علامات التقدم العلمي والتكنولوجي، ومظاهر القرية الكونية التي بشرونا بها منذ انبلاج عصر الانترنت.

ليس تفصيلا صغيرا ان يموت جائع في قرية نائية في مكان ما في العالم، ولا ان يتخبط دب قطبي محاولا النجاة في بيئته الثلجية التي اعتاد الحياة فيها، لاننا نساهم كل يوم، من خلال درجات حرارة الارض الاخذة بالارتفاع، في اذابة جبال الثلوج التي تمدنا بالحياة، ونتصرف بكل ما أوتينا من لامبالاة وانانية، في جعل ثقب الاوزون، يسرع في سيرنا على طريق الفناء.

ان ما بين المشهدين المذكورين، عالم هائل من التناقضات والاخفاقات. ولنبدا مثلا بقائمة مجلة “فوربس” الاميركية التي تبشرنا كل عام بلائحة اثرى الاثرياء في العالم. ونفرح ونحن نقرا اسماء جيف بيزوس، مؤسس موقع “امازون”، والذي زادت ثروته في عام واحد بنحو 19 مليار دولار، لتصل الى اكثر من 130 مليار دولار، وهي ثروة اكبر بكثير من ميزانية وديون دولة مثل لبنان، او مجموعة من دول العالم الثالث.

وبيزوس الى جانب اسماء مثل بيل غيتس ووارن بافيت ومارك زوكربرغ وغيرهم من مليارديريي العالم (عددهم 2153)، يملكون وحدهم ما مجموعه 8.7 تريليون دولار. هل بامكاننا ان نتخيل ماذا يمكن لثمانية تريليونات دولار ان تفعله في اصلاح حياة عشرات ملايين البشر؟ لنقل تحديدا ان الثمانية تريليونات دولار بامكانها انتشال الدول الافريقية العشرة الاكثر فقرا وهي، بحسب مجلة “غلوبال فاينانس”، مدغشقر، جزر القمر، جنوب السودان، ليبيريا، موزمبيق، النيجر، مالاوي، جمهورية الكونغو الديمقراطية، افريقيا الوسطى، وبوروندي التي على سبيل المثال، يعيش 81 % من سكانها، باقل من 1.25 دولارا باليوم.

هل اكتفيت؟ تريليون دولار تنفق على الجيوش عالميا كل سنة. ماذا كان بامكانها ان تمنحنا مثلا؟ في ابسط الاحتمالات، شبكة انترنت قوية تغطي كل نقطة على سطح الكرة الارضية. او ربما بناء الاف المدارس في القرى والمناطق النائية في اكثر دول العالم عوزا. بناء مئات المستشفيات والمستوصفات وتوفير الادوية لملايين الناس في مناطق واسعة تفتك بها الامراض، من شدة الفقر، خصوصا في اسيا وافريقيا واميركا الجنوبية.  

ويموت كل يوم 10 الاف شخص بسبب عدم حصولهم على الرعاية الصحية بتكلفة معقولة. اما في الدول النامية، فاحتمال ان يموت طفل من اسرة فقيرة – قبل بلوغه سن الخامسة – هو ضعف احتمال موت طفل منحدر من اسرة غنية.

ويجري ذلك فيما عدد أصحاب المليارات قد تضاعف منذ حدوث الازمة المالية العالمية الاخيرة، حيث يشهد العالم، ولادة ملياردير جديد كل يومين! وبين 1980 و2016 فإن الـ1% الاكثر ثراء كانوا يستحوذون على 27% من النمو العالمي.

وللعلم فقط، فان الولايات المتحدة تضم نحو 609 مليارديرات من بينهم 14 في المراكز العشرين الأولى. وللعلم ايضا، فقد تضخمت ثروات اصحاب المليارات بمعدل 2.5 مليار دولار يوميا في العام 2018، في حين انخفضت ثروات 3.8 مليار انسان اي نصف تعداد البشرية الاكثر فقرا بنسبة 11%، بحسب منظمة “اوكسفام”.

وبحسب تقرير اعده اكثر من مئة باحث من 70 دولة، واشرف عليه خصوصا لوكا شانسيل من معهد باريس للاقتصاد وتوماس بيكيتي مؤلف الكتاب الشهير “الرأسمال في القرن الحادي والعشرين”، ان التفاوت الاجتماعي والفقر تزايدا في العالم بشكل كبير منذ ثمانينات القرن الماضي. واوضح الباحثون ان الظاهرة تطورت بسرعات مختلفة، الا ان الولايات المتحدة والصين وروسيا شهدت ارتفاعا كبيرا لهذا التفاوت.

التقرير العالمي يؤكد ان حصة العائدات الوطنية التي يراكمها 10% من دافعي الضرائب الاكثر ثراء، ارتفعت من 21% الى 46% في روسيا ومن 27% الى 41% في الصين بين 1980 و2016. في الولايات المتحدة وكندا، انتقلت هذه النسبة من 34% الى 47% فيما شهدت اوروبا ارتفاعا “اكثر اعتدالا” (من33% الى 37%).

والضحية الاولى لهذه الدينامية بحسب التقرير الذي يستند إلى 175 مليون بيان ضريبي واحصائي، هي “الطبقة الوسطى في العالم”.

ويحدث هذا التراجع الكبير في ثروة الناس الاكثر فقرا في هذا العالم، فيما يعاني 820 مليونا فيه، من الجوع.

فبحسب منظمة الاغذية العالمية (الفاو) فان واحدا من بين كل 9 اشخاص يعانون من الجوع. لا بل ان عدد الاشخاص الجوعى قد ارتفع للعام الثالث على التوالي. وعدديا، فان قارة اسيا تضم اكبر عدد من الجوعى في العالم (12% من سكانها)، بينما تحتل افريقيا مرتبة اعلى معدل للجوعى (31% من سكانها).

وبطبيعة الحال فان الصراعات التي صنعها الانسان هي المسبب الاول للجوع، وثانيا، يأتي التغيير المناخي. لكن لعل الاهم هو ما تسميه منظمة “الفاو”، “عدم التكافؤ الممنهج عالميا”، اي ان النمو الاقتصادي الذي تحققه بعض الدول لا يكفي وحده، وانما يجب ايلاء اهتمام اكبر بكثير للشرائح الاجتماعية المهمشة، الاكثر عوزا وفقرا، وهو ما لا يحصل.

وبحسب تقديرات منظمة “اوكسفام” فلو ان 1% من الاكثر ثراء بالعالم دفعوا ضريبة اضافية على ثرواتهم بنسبة فقط 0.5% ، لساهم ذلك في جمع مبلغ كاف لتعليم 262 مليون طفل غير ملتحقين بالمدارس ولتأمين الرعاية الصحية اللازمة لانقاذ 3.3 مليون شخص من الموت.

وبتعبير اخر، فان الفجوة آخذة في الاتساع بين الاغنياء والفقراء. ومع ذلك، تسير العديد من الدول على طريق تقليص برامج الرعاية الاجتماعية، من خلال التراجع عن الخدمات العامة كالتعليم والطبابة التي كانت تقدمها، وهي في أساس الحقوق العالمية للانسان. وبحسب الامم المتحدة، فان التعليم والرعاية الصحية في الدول النامية يعانيان من نقص في التمويل يبلغ 418 مليار دولار.

وعلى سبيل المقارنة، فان ما يخصص لأغراض الصحة في قارة افريقيا يبلغ 10 % فقط من مجمل الانفاق الحكومي، وهو يصل في اوروبا الى نحو 13 %.

وفيما ذرائع “التقشف” هذه غالبا ما تطال الاكثر احتياجا، يتم اعفاء كبار الاثرياء والشركات العملاقة من الضرائب العالية ويمنحنون ايضا، تسهيلات مالية كبيرة.

ولا يقف الامر عند هذا الحد، اذ يزداد الانفاق على الجيوش في مختلف انحاء العالم، اذ ارتفع إلى 1822 مليار دولار العام 2018، بزيادة نسبتها 6ر2 % مقارنة بالعام 2017.

ادارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب، على سبيل المثال، حددت في ميزانية العام 2019، اموالا بقيمة 686 مليار دولار لوزارة الدفاع، بزيادة 40 مليار دولار عن ميزانية العام الذي سبق، وهي الميزانية الاكبر في تاريخ الولايات المتحدة. الا ان صحيفة “ذا نيشن” الاميركية اشارت الى ان هذا الرقم لا يمثل مجمل انفاق الدولة على الامن القومي العسكري، وان الرقم الاجمالي للانفاق على مختلف الاجهزة والمهمات العسكرية يصل الى تريليون دولار.

وفي المقابل، انفقت الصين 177 مليار دولار على ميزانتها العسكرية، وتحتل المرتبة الثانية عالميا، والسعودية 82 مليار دولار، فيما انفقت روسيا 61.4 مليار دولار (المرتبة السادسة عالميا)، وبريطانيا 56.1 مليار (السابعة عالميا).

وكان معهد ستوكهولم لابحاث السلام، اكد في تقرير ان الدول العربية استحوذت على نحو 35% من اجمالي مبيعات السلاح في العالم خلال 2014-2018.

وعلى الرغم من مظاهر الفقر عالميا، لا تزدهر شركات السلاح وحدها، بل ايضا شركات الادوية التي تحقق مداخيل خيالية: “نوفارتيس” حوالى 58 مليار دولار، “روش” حوالى 50 مليار دولار، “فايرز” 49 مليار دولار، “سانوفي” 43 مليار دولار…

ان صورة العالم التي نتحدث عنها هنا، لا يمكن ان تكتمل من دون محاولة رصد مشهد كوكبنا الذي نعيش عليه، بيئيا، وهي بحق، ارقام صادمة. ولنبدا بالهواء الذي نتنفسه، وهو بحسب منظمة الصحة العالمية، ملوث بالنسبة الى 90 % من سكان الارض، ما يتسبب بوفاة حوالى سبعة ملايين شخص سنويا بسبب الامراض الناجمة عنه (اي 800 شخص في الساعة، او 13 شخصا في الدقيقة).

وكانت السنوات الاربع الاخيرة اكثر حرارة، في حين ان درجات الحرارة في فصل الشتاء في القطب الشمالي ارتفعت 3 درجات منذ سنة 1990، ما يعني ارتفاع مستويات البحر.

وفي هذه الاثناء، يتزايد تدمير غابات الامازون في البرازيل، وسجلت نسبة التدمير في تموز الماضي، زيادة 278% مقارنة بالشهر نفسه من العام 2018، وبلغت مساحة الاراضي المدمرة 2254 كيلومتر مربع، مقارنة بـ596 كيلومتر مربع، بالشهر نفسه من العام 2018.

ولنختم ببعض الحقائق من منظمة “الفاو” في تقرير صدر في تموز الماضي، تشير الى ان العالم لا يسير على الطريق الصحيح الذي يؤدي الى تحقيق معظم مقاصد اهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالجوع والامن الغذائي والتغذية. وقالت نائب المدير العام ل”الفاو” لشؤون المناخ والموارد الطبيعية ماريا هيلينا سيميدو ان النتائج التي توصلت اليها المنظمة، تعني ان “هدفنا الشامل المتمثل في ضمان السلام والازدهار للناس وللكوكب اقل قابلية للتحقيق”.

ومما توصلت اليه “الفاو” باختصار: الجوع في ارتفاع (820 مليون انسان)، عائدات منتجي الاغذية على نطاق صغير هي حوالي نصف عائدات منتجي الاغذية الاكبر، وزيادة تقلب اسعار المواد الغذائية في العديد من البلدان النامية، وواحد من كل ستة سلالات حيوانية محلية تتعرض لخطر الانقراض، وخسر العالم بين عامي 2000 و2015 مساحة من الغابات تعادل حجم جزيرة مدغشقر، خصوصا في المناطق الاستوائية في اميركا اللاتينية والدول الافريقية جنوب الصحراء وجنوب شرق اسيا.

وكانت “الفاو” افادت ان 25 % من غاز ثاني أكسيد الكربون المنبعث في الجو من صنع الإنسان يعود الى ظاهرة ازالة الغابات التي تختزن 283 مليار طن من الكربون، مضيفا ان تدمير الغابات يضيف نحو ملياري طن اخرى من الكربون الى الغلاف الجوي سنويا.

ولا شك في ان تدمير المواطن الطبيعية هو من اكبر الكوارث التي تواجه بيئة الارض حاليا، اذ ان هذه الظاهرة تسببت خلال القرن الاخير بتدمير ما يزيد عن 50% من غابات العالم، واكثر من 20% من شعابها المرجانية، وفقدت منطقة غرب القارة القطبية الجنوبية نحو 230 مليار طن من الجليد سنويا بين عامي 2009 و 2012،

هذا جانب من شكل حياتنا الان. صحيح ان هناك الكثير من المظاهر الايجابية، لكن الارقام، وهي كثيرة، تخبرنا ان عالمنا ليس ورديا بتاتا.

http://www.general-security.gov.lb/uploads/articles/1372.pdf

عن خليل حرب

خليل حرب
خليل حرب، صحافي لبناني، مدير تحرير في جريدة "السفير" سابقا. يشغل اليوم منصب رئيس تحرير موقع "جورنال".

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*