الرئيسية » العالم » هل لبنان على الطريق الى “التراجيديا اليونانية” ؟

هل لبنان على الطريق الى “التراجيديا اليونانية” ؟

تزايدت في الفترة الاخيرة التحذيرات والمقارنات بين لبنان واليونان، وتحديدا حول احتمال ذهاب اللبنانيين الى الحال الذي وصل اليه اليونانيون قبلهم بنحو عشر سنوات عندما وصلوا الى شفير الافلاس، واغراق الاتحاد الاوروبي معهم. لكن السؤال الاكثر اهمية هو : هل تجوز المقارنة بين طبيعة ازمة البلدين واوجه الشبه والاختلاف بينهما؟

خليل حرب

++++++++++++++++++++++

في 10 نيسان العام 2019، قال رئيس الحكومة سعد الحريري “اعمل مع معظم الاطراف السياسية من اجل ان يكون هناك اجماع كامل على الموازنة، لان خوفي ان يحصل هنا كما حصل في اليونان، وهذا ما لا يجب ان يحصل، فلا يخف أحد لاننا سنقوم باجراءات تنقذ البلد من اي مشكل اقتصادي”، مشيرا الى ضرورة اتخاذ اجراءات “قاسية قليلا، نتحملها سنة او سنتين ثم تعود الامور كما كانت”.

وبعدها بايام، قال وزير الخارجية جبران باسيل “هناك من يجب ان ينبه الناس اليوم الى ان التخفيض المؤقت اذا لم يحصل فلن يبقى معاش لاحد”.

اثارت هذه التصريحات الكثير من الجدل والنقاش، والمخاوف ايضا. استذكر اللبنانيون “التراجيديا اليونانية” التي تجسدت امامهم على مدى سنوات، وحفرت في ذاكرتهم وهم يتابعون مشاهد اليونانيين وهم يصطفون في طوابير طويلة امام البنوك التي اغلقت ابوابها في وجوههم للحد من عمليات السحب باليورو من حساباتهم المصرفية.

كان ذلك مجرد جزء ضئيل من مشهد الازمة التي عصفت باكثر من عشرة ملايين يوناني عندما وجدت دولتهم نفسها امام عجز عن سداد ديونها وتصاعد الدين العام، وعدم قدرتها على دفع رواتب الموظفين في القطاع العام، ما جعلها على شفير الافلاس، واجبر الاتحاد الاوروبي على التحرك العاجل لانتشالها عبر حزمة من المساعدات الضخمة، واجبرها في المقابل على تطبيق اجراءات تقشفية قاسية، خصوصا عبر زيادة الضرائب، وخفض رواتب القطاع العام، وتقليص المكافات والمنح للموظفين الحكوميين.

وبحسب الكاتب والباحث الاقتصادي زياد ناصرالدين فان من بين الحلول التي طلب من اليونانيين تطبيقها: اقالة اكثر من مئة الف موظف في القطاع العام، تخفيض الرواتب الاساسية والتقاعدية، زيادة الضرائب على المواطنين، والاعتماد على الاندماج بين المؤسسات الحكومية”.

ومقابل ذلك، قدمت لليونان، سلسلة من حزم الانقاذ، بعشرات مليارات اليوروهات، منذ ايار 2010 وصولا الى حزمة شهر اب من العام 2015، تتضمن ايضا مجموعة من حزم التقشف القاسية. وكان على اليونانيين ان ينتظروا حتى اب العام 2018، ليبلغوا مرحلة الاستغناء عن المساعدات الاجنبية للمرة الاولى منذ العام 2010.  

لكن كيف بدات الازمة اليونانية؟ انفجرت الازمة الاقتصادية العالمية في العام 2008، وتسببت مثلا في افلاس 20 بنكا كبيرا في الولايات المتحدة وبانهيار مالي واسع وصلت تداعياته الى دول شرق اسيا والخليج واوروبا، وكانت اليونان من بين اشد المتضررين خصوصا في ظل ارتفاع سعر برميل النفط جراء الحصار على ايران وقتها ووصوله الى مستوى قياسي بلغ 140 دولارا للبرميل.

ويقول ناصرالدين ان ارباح المصانع اليونانية تضررت بهذا الارتفاع الكبير في اسعار الوقود والذي ادى ايضا الى ارتفاع اسعار المواد الاولية والى كساد وكسل اقتصادي داخلي. كما تزامن ذلك مع تراجع القطاع السياحي في اليونان بفعل تاثيرات توحيد العملة الاوروبية (اليورو) وتخلص اليونانيين من عملتهم التقليدية (الدراخما)، اذ اثر اليورو بشكل كبير على الكلفة السياحية التي كانت تتميز فيها اليونان في زمن الدراخما، وتتيح لها استقطاب ملايين السياح من حول العالم ما كان يدعم الناتج المحلي بقوة.

وظهرت العديد من نتائج الازمة الاقتصادية العالمية على اليونان، ومنها بحسب ناصرالدين :

  1. التاثير على القطاع الخاص، اذ صارت غالبية الشركات تبدي تخوفا من العمل في السوق اليونانية.
  2. ارتفاع الاسعار بشكل كبير
  3. عدم القدرة على صرف رواتب الموظفين والعاملين في القطاعات التي تتبع الحكومة
  4. انسحاب الاستثمارات الاوروبية من اليونان
  5. اكثر من ثلثي الديون كانت خارجية وليست داخلية، واثر ارتفاع الفائدة المخيف الذي لم يستطع المصرف المركزي السيطرة عليه لان الديون خارجية بمعظمها، فيما انهكت شروط البنك الدولي كل التقديمات الاجتماعية.

كل هذه المؤشرات والدلائل، ترافق معها حجم الدين العام الذي وصل الى 339 مليار دولار، وعجز الموازنة الذي وصل الى 15.6 في المئة، ومعدل تضخم بلغ 1.3 في المئة، ومعدل نمو سلبي بلغ 3.3 في المئة، ونسبة بطالة مرتفعة طالت 46.6 في المئة من القوى الشبابية المنتجة، ونسبة دين عام من الناتج المحلي تخطت ال 200 في المئة.

ينقل عن الخبير الاممي بابلو بوهوسلافسكي، قوله في العام 2015، ان ازمة اليونان ادت الى حرمان حوالي ٢.٥ مليون شخص من التامين الصحي، وان حقوق العمل والضمان الاجتماعي هي في حالة من الفوضى، وبطالة الشباب وصلت الى ٤٧.٩ في المئة، ولا يستفيد من اعانات البطالة سوى شخص واحد من كل ١٠ اشخاص من العاطلين عن العمل المسجلين.

ما جرى فعليا، ان المؤسسات المتحكمة بالازمة، وابرزها صندوق النقد الدولي والمفوضية الاوروبية والبنك المركزي الاوروبي، وضعت فعليا ايديها على الدولة وقراراتها بعدما غرقت في الديون وعجزت عن السداد. يقول “مركز اوروبا – العالم الثالث” في تقرير له ان سوء النية تجلى في جعل اليونان دولة تابعة ماليا وفرضوا تدابير تمس بالحقوق الاساسية للشعب اليوناني، وان الهدف النهائي لها لم يكن تخفيف الاعباء على المواطنين، وانما تحويل الدين الخاص الى ديون عامة، وانقاذ المصارف الخاصة الكبرى.

وعلى الرغم من الاجراءات القاسية التي فرضت على اليونانيين، فان البلاد ما زالت حتى الان مستمرة بشق الانفس، وما زالت حزم المساعدات الاوروبية تقدم اليها حتى الان بانتظار استكمال خروجها من الهوة التي سقطت فيها. 

وفي بداية ايار الماضي، جدد الحريري الاشارة الى النموذج اليوناني، عندما قال “نحن لم نفلس، وبعيدون عن الافلاس، انما نحن راينا ما حصل في اليونان وما يحصل في فنزويلا وفي ايسلندا، فقررنا القيام بعملية استباقية لمنع انهيار البلد اقتصاديا”.

فماذا عن لبنان مقارنة بالازمة اليونانية؟ يقول ناصرالدين، الكاتب والباحث الاقتصادي، ان الوضع اللبناني مختلف بالارقام، ولديه القدرة على الحلول، لكن الموانع السياسية تعرقل هذه الحلول الانقاذية المتاحة.

وتشير الارقام اللبنانية الى ما يلي :

  1. حجم الدين العام 90.6 مليار دولار
  2. عجز الموازنة 11 في المئة
  3. معدل النمو 1 في المئة
  4. نسبة البطالة 35 في المئة
  5. نسبة حجم الدين من الناتج المحلي وصلت الى 154 في المئة

ومقابل ذلك هذه الارقام المحبطة، يشير ناصرالدين الى ان لبنان يمتلك فرصة انقاذية بشكل مباشر في مصادر الطاقة (النفط والغاز). يذكر ايضا بان لبنان كان من بين اقل الدول تضررا بالازمة العالمية التي تسببت فيها وول ستريت قبل عشرة اعوام، اذ تدفقت الايداعات النقدية على البنوك اللبنانية هربا من بعض مناطق الازمات.

كما ان الوضع المصرفي في لبنان يمتلك امكانيات اكبر من تلك التي كانت تتمتع بها اليونان، وذلك في ظل وجود 185 مليار دولار كايداعات في البنوك، وامتلاك مصرف لبنان المركزي 39 مليار دولار احتياطي من العملات الاجنبية والذي يعتبر اكبر من الاحتياطي الموجود لدى تركيا مثلا. كما ان لبنان يمتلك احتياطي ذهب بقيمة 11 مليار دولار.

لكن الاكثر اهمية، بحسب ناصرالدين، ان ثلثي الدين العام داخلي وليس خارجيا مثلما كان الحال اليوناني، وان مصرف لبنان يمتلك 40 في المئة من هذا الدين العام.

وعلى الرغم من هذه الارقام الايجابية، فان الوضع لا يعتبر سليما  على المستوى الاقتصادي، وهو يحتاج بحسب ناصرالدين، الى قرارات مفيدة ونوعية لمعالجة العجز. واضاف ناصرالدين “نمتلك القدرة على معالجة العجز وتحويله الى فائض اذا تم وضع حد للاستفادة والهيمنة السياسية على مقدرات الدولة وتغيير الخيارات المالية والاقتصادية التى تم اتباعها منذ العام 1992 الى العام 2018 واعتماد خيارات نقيضة ومفيدة للانقاذ”.

من الازمة اليونانية

ارتفع الدين العام للدولة اليونانية الى 70 مليار يورو، بالاضافة لارتفاع نسبة العجز والانفاق العام، خلال فترة حكم رئيس الوزراء كوستاس كرامنليس التي استمرت لخمسة أعوام من العام 2004، الى العام 2009.

بعد فوز الحركة الاشتراكية الهيلينية في انتخابات العام 2009، كشفت وزارة المالية ان عجز الموازنة اكبر مما كان مقدار، اذ بلغ 12.5% من الناتج المحلي الاجمالي، ثم تفاقم العجز في العام نفسه، ليسجل رقماً قياسياً وصل الى 15.5%.

في العام 2010، وصلت ديون اليونان الى اكثر من 355 مليار مليار يورو، ولم تعد اثينا قادرة على سداد فوائد ديونها.

اضطرت الحكومة اليونانية عندها الى الاستعانة بصندوق النقد الدولي والاتحاد الاوروبي لانتشالها من كارثتها المالية، ففرض عليها اجراءات تقشف الحقت ضررا هائلا بالطبقة المتوسطة، وبالعمال والمزارعين.

ومن العام 2011 عندما كانت نسبة البطالة 16.6 %، ارتفعت في العام 2013 الى 27 %، وقدرت في العام 2017 بنحو 20%.

بطبيعة الحال، كان السخط والاحتجاجات تعم شوارع اليونان. وعندما لم تفلح حزمة المساعدات المالية الاولى التي قدمت الى اثينا بقيمة 28 مليار دولار، في اخراج اليونان من ازمتها، عرض الدائنون حزمة ثانية من المساعدات، لكن رئيس الحكومة اليكسيس تسيبراس (من حزب سيريزا اليساري) دعا في العام 2015 الى استفتاء شعبي حول قبول المساعدات الخارجة او رفضها، وكانت النتيجة مفاجئة. فبرغم قساوة الوضع المعيشي لملايين اليونانيين، الا انهم رفضوا بنسبة 61% القبول باية مساعدات اضافية.

ولم يكن قادة الاتحاد الاوروبي مرتاحين لتصويت اليونانيين، وخلال المفاوضات مع اثينا، طرح تسيبراس خطة بديلة تقضي بالغاء 30 % من ديون اليونان التي بلغت وقتها 323 مليار يورو، بالاضافة الى اعفاء اثينا لمدة 20 سنة من تسديد الديون. كان من الواضح ان اليونانيين يتسلحون بفكرة ان الاوروبيين لا يستطيعون التعايش مع احتمال خروج اليونان من منطقة اليورو، بما سيكون له تداعيات اقتصادية كبرى، وخسارة الدائنين الكبار، بمن فيهم المانيا، للاموال التي قدموها الى اليونان في حال اعلنت افلاسها وخرجت من اليورو.

في 20 اب 2018، اعلن عن نجاح اليونان في انجاز البرنامج الثالث من المساعدات المالية الخارجية العامة، وخروجها من تحت الادارة الخارجية للمقرضين والدائنين الاجانب التي كانت خاضعة لها منذ العام 2010. وجاء في بيان عن صندوق الاستقرار في منطقة اليورو “اكملت اليونان رسميا برنامجها للمساعدة المالية الشاملة لمدة ثلاث سنوات، المقدم من صندوق ESM، وانجزت بذلك خروجها الناجح من البرنامج”، مشيرا الى ان اليونان لم تعد تحتاج الى اطلاق برامج انقاذ اضافية جديدة، وانها اصبحت قادرة على الوقوف على قدميها للمرة الاولى منذ اوائل العام 2010.

وبالاجمال، قدم الاتحاد الاوروبي وصندوق النقد الدولي اكثر من 250 مليار يورو منذ العام 2010.

عن خليل حرب

خليل حرب
خليل حرب، صحافي لبناني، مدير تحرير في جريدة "السفير" سابقا. يشغل اليوم منصب رئيس تحرير موقع "جورنال".

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*