الرئيسية » افتتاحية » الصدر .. المقامرة بالدم !

الصدر .. المقامرة بالدم !

من غير الواضح ما الذي ينتظره السيد مقتدى الصدر ليوقف دفع المشهد السياسي والامني الى أخطر منزلقاته العراقية منذ ظهور ارهاب الموجة الداعشية قبل اكثر من 7 سنوات. خليل حرب

فللمرة الثانية خلال ايام، يقتحم أنصار الصدر مبنى البرلمان، وحاولوا ايضا اقتحام مبنى مجلس القضاء الاعلى في داخل المنطقة الخضراء المحصنة في بغداد، بينما حاولوا فرض الاغلاق على مكاتب لزعيم تيار الحكمة السيد عمار الحكيم في بغداد والبصرة وآخر تابع لقناة “الفرات” التلفزيونية التابعة له، فيما نزلت قوى “الاطار التنسيقي” الى الشوارع ايضا لتنظيم تظاهرات “دفاعا عن الدولة” التي يتهمون الصدر بمحاولة اسقاطها.

هناك سفك دماء يلوح في الافق في العراق، فيما هو للمفارقة، من تجليات اللعبة “الديمقراطية” التي أتاحت للصدر التفوق ثم الاصطدام بمعادلات الصيغة العراقية، ثم الانكفاء، ثم الاحساس بالمهانة، فالعودة الى الشارع تعبيرا عن الغضب والرغبة، ربما، في الانتقام من “الاطار التنسيقي” الذي حاول “ترويض” جموح الصدر منذ ان لمعت عيناه ابتهاجا امام نتائج انتخابات العاشر من تشرين الاول 2021، والتي منحته الصدارة، من دون ان تمنحه متعة التسيد وحده على المشهد السياسي العراقي.

جاء ذلك، فيما سجل العراق اسوأ انسداد سياسي له بلا رئيس للجمهورية ولا رئيس للوزراء، منذ اكثر من 290 يوما، وهو الاطول منذ الانسداد الشهير في العام 2010، عندما حصل رئيس الوزراء نوري المالكي على فترة ولاية ثانية بعد 289 يوما من التأخير.. وللمفارقة بسبب الصراع الشخصي المسيس مع الصدر ايضا.

لكن ذلك كان من الممكن ان يكون طبيعيا لولا ان الزعيم الصدري، مال الان باتجاه ما كان كثيرون يخشون منه: محاولة الاستفراد بتقرير معادلات اللعبة وتوازناتها، من دون الاخد بالاعتبار، بهواجس وطموحات وتطلعات خصومه من داخل “البيت الشيعي” نفسه، وفق القواعد التي حكمت مسارات السياسة والتحاصص منذ دستور العام 2005.

كان من اللافت للنظر ان القراءة الغربية المكثفة للتطورات العراقية منذ ظهور نتائج الانتصار الصدري في الانتخابات، انصبت كلها على توصيفات “ايجابية” حول الصدر بغالبيتها، صورته باعتباره الرجل الوطني والمنقذ المحتمل للعراق لاخراجه من عباءة ايران و”وكلائها” العراقيين، بل انها كثيرا ما طرحت فكرة “الشارع” كخيار محتمل امام الصدر بامكانه اللجوء اليه من اجل الضغط على خصومه وتحقيق مراده.

لم يأخذ الحصان الجامح بالحسبان هواجس اقليمية – ربما تكون مشروعة – بان مخاض ولادة الحكومة العراقية جاء متزامنا مع محاولات اقليمية واميركية لتقليم أظافر النفوذ الايراني في المنطقة، او بأحسن الاحوال، محاولة احتوائها حبيا، سواء عبر المفاوضات النووية، او عبر جولات المحادثات المتعددة التي جرت بينها وبين السعودية بضيافة العراق.

وفي الخلفية ايضا، مشهد اندلاع الحرب الاوكرانية واشتعال التهافت الدولي (الاميركي والاوروبي خصوصا) على تعويض النقص العالمي في امدادات الطاقة والتي اجبرت مثلا رئيس الدولة الاعظم في العالم، اي جو بايدن على المجيء الى السعودية، ليقول ان جثة جمال خاشقي، قد طوتها المصالح… والنسيان.

لذا، ربما تكون هناك قراءة صدرية متعجلة او تتسم بالخفة، في الخروج باستنتاجات سياسية، مفادها تهميش، او اخراج “حلفاء ايران” من المعادلة الحكومية، فيما المأمول ان التهدئة الاقليمية ضرورية ليلعب العراق، ثاني أكبر منتجي أوبك، دوره المراهن عليه بعدما غصت مصافي الانتاج والتصدير السعودية بطاقتها القصوى، مثلما قال الامير محمد بن سلمان للرئيس الامريكي.

وما زال المتابعون للشأن العراقي حائرون حتى الان في محاولة قراءة مغازي الانسحاب الصدري استقالة من حضورهم البرلماني، ثم انكفاء الصدر سياسيا في مقره في الحنانة في النجف، والان العودة مجددا الى خيار عصا الشارع، للضغط على خصومه في اكثر من موقع، وهي بمثابة لعبة بسيف ذي حدين.

ليس الصدر شخصية هامشية في الشارع العراقي بالتأكيد، وهو كما روج أنصاره مؤخرا اصبح بمثابة “الاسد الجريح” الذي يشعر بالمهانة لفشله عدة مرات في تأمين النصاب البرلماني اللازم، لفرض مرشحه لتولي الحكومة الجديدة، بالتحالف مع الزعيم الكوردي مسعود بارزاني، ومع الزعيم السني محمد الحلبوسي، ما كان يعني بالنسبة الى قوى “الاطار التنسيقي” ان موقع الشيعة الابرز في هيكلية السلطة العراقية، لم يعد حكرا على توافقات القوى الشيعية وحدها، وانما صارت بالمفهوم الصدري المستجد قرارا “وطنيا” يتطلب تفاهم الصدر الشيعي مع بارزاني الكوردي مع الحلبوسي السني.

هل تجوز هذه المقامرة “اخلاقيا”؟ ربما.

هل تجوز “سياسيا”؟ ربما لا. ذلك انه ربما كما حذر رئيس الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي، في بداية شهر محرم، فان “ألف يوم من الحوار الهادئ خير من لحظة تسفك فيها نقطة دم عراقي”.

ان اسقاط الدولة العراقية، لن يكون بالتأكيد محصورا بحمامات الدم في البيت الشيعي. في تاريخه الحديث، لم يعهد العراق دماء مسفوكة تقتصر على طائفة واحدة.

عن خليل حرب

خليل حرب، صحافي لبناني، مدير تحرير في جريدة "السفير" سابقا. يشغل اليوم منصب رئيس تحرير موقع "جورنال".

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*