الرئيسية » اراء ودراسات » كورونا لبنان : ثورة تحت الحجر المنزلي

كورونا لبنان : ثورة تحت الحجر المنزلي

في أسوأ كوابيس الثوار الذين نزلوا الى شوارع لبنان في 17 أكتوبر 2019، لم يتصور أحد شللا كالذي وصلت اليه الثورة – الانتفاضة هذه الايام، بفعل فيروس ضئيل لم يكن أحد في العالم يعلم بوجوده الى ما قبل أسابيع قليلة مضت.

تخيل كثيرون قمعا شديدا من جانب السلطة، يرهب الناس ويبقيها في بيوتها. تخيلوا أيضا صداما في الشارع بين الثوار وبين القوى المضادة للثورة يخيف الناس من الاستمرار في التظاهر والاحتجاج. تصور البعض ان الانهيار الاقتصادي سيدفع جماعات الثوار الى الانكفاء أو ربما الخجل بتحميلهم مسؤولية تدهور الأحوال المعيشية للبنانيين بفعل تعطل الدورة الاقتصادية في البلاد.

تحققت بعض تلك المخاوف بالفعل، لكنها لم توقف حركة الاحتجاج، وكانت لا تزال هتافات المتظاهرين لا تقل حدة عن الشهور التي سبقتها، خصوصا بعد تزايد معالم الانهيار المالي واحتجاز اموال المودعين في البنوك وخنقهم بحصص مالية ضئيلة بالكاد تكفي لسد رمقهم وعائلاتهم.

وتقتضي الدقة القول ان كثيرين انكفأوا عن الشارع تدريجيا بعدما نجحت مناورات السلطة التقليدية في اثارة كل المخاوف التي أشرنا اليها. كما تقتضي الدقة الاعتراف بأن مشهد شوارع الاحتجاج اللبنانية صار اكثر تعقيدا وتشوشا ومحيرا، وهو عزز التراجع التدريجي للمتظاهرين.

ففي يوم نيل حكومة حسان دياب الثقة من مجلس النواب في 11 فبراير، شهد وسط بيروت احتجاجات صاخبة تخللها صدامات مع قوى الامن. وكان من الواضح ان العديد من المتظاهرين عبروا عن سخطهم لخروج سعد الحريري، الزعيم السني التقليدي، من مشهد السلطة وهو الذي تراس عدة حكومات منذ اغتيال والده رفيق الحريري، ووضعته الثورة، أو على الأقل بعض قواها، منذ أيامها الأولى على لائحة متهميها كأحد المسؤولين الرئيسيين عن الخراب اللبناني!

وليكتمل المشهد المشوش امام اللبنانيين، خرجت تظاهرة الى شارع الحمرا في بيروت ل”التيار الوطني الحر” الذي ينتمي اليه الرئيس عون وذراعه الايمن جبران باسيل في 20 فبراير تنديدا بسلطة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وسياسته المالية، بعدما كانت السلطة ذاتها، مددت لحاكم المصرف في منصبه لولاية جديدة قبلها بشهور قليلة!

“التظاهرة العونية” أصابت العديد من اللبنانيين بالدهشة المطلقة. لكنهم، كأحوال البلاد التي لا تكف عن مفاجأتهم، كانوا على موعد مع تفصيل اضافي ليزيد الصورة امامهم ارتباكا وحيرة. فقد خرج “الاشتراكيون” في ذلك المكان، ليصطدموا ب”العونيين” في نفس الشارع، دفاعا عن حاكم المصرف، وليقول بعدها زعيمهم وليد جنبلاط، ان رياض سلامة “خط أحمر”!

لقد واجهت الثورة العديد من الخطوط الحمراء خلال مسيرتها منذ 17 اكتوبر، لكننا هنا انتقلنا بالفعل الى مستوى آخر مختلف تماما.  لاحظوا ان أطراف المعادلة الثلاث هنا، هم من أركان السلطة القائمة منذ عقدين، وانهم احتلوا المشهد بأكمله في الشارع، بينما غاب “الثوريون الحقيقيون” أو تم تغييبهم، في مفارقة ساخرة لا مثيل لها تجسدت أمام اللبنانيين، وكأنما الستار النهائي يسدل بهدوء على ثورتهم.

وليكتمل مسلسل المفاجآت، أطل على اللبنانيين في اليوم التالي، أي في 21 فبراير، فيروس كورونا متسللا الى جسد امرأة.   

والى ما قبل تلك اللحظة، كان بامكانك ان تجزم ان لبنانيا واحدا لم يخطر بباله ان كورونا الذي انتشر في الصين قبل نحو ثلاثة شهور، ثم في بعض بقاع الارض، سيصل الى هذه البلاد المتعبة بعد عشرة ايام فقط على نيل حكومة حسان دياب الثقة البرلمانية بهدف محاولة معالجة تحديات اقتصادية لم تكن تخطر ببال أحد.

الا أن كورونا المستجد، فعل فعله. شل كل شيء في لبنان، وكأنما الثورة لم تكن.

في وسط بيروت حيث الاعتصام القائم منذ شهور، تبدو الخيام شبه مهجورة من المتظاهرين. المشهد ذاته تقريبا في صيدا وطرابلس وصور والنبطية باستثناء افراد بعدد اصابع اليد. غالبية الخيام البلاستيكية تبدو مهجورة بالكامل.

 يقول لنا أحد نشطاء الانتفاضة اللبنانية، والذي سبق ان تعرض للاعتقال، ان لا شيء يجري حاليا :”فعليا، نشاط الحراك تراجع كثيرا حتى قبل ظهور كورونا، ثم جاء الفيروس فقضى على أي امكانية لعودة الناس الى الساحات.. أقله في المدى المنظور”.

يسرد الناشط مجموعة من الاسباب لهذا التراجع من بينها “العنف والتوقيفات العشوائية ومنها التعب، ومنها رغبة البعض باعطاء الحكومة الجديدة فرصة للعمل، ومنه أيضا فقدان الأمل”. وبرغم ذلك، يقول الناشط “باعتقادي الناس كانت ستعود الى الشارع لولا ظهور كورونا”.

وبكل الاحوال، لم ترصد دعوة جدية لتجمع او تظاهرة جديدة منذ اسابيع عدة. وحتى عندما خرجت دعوة للتظاهر قبل أيام، ضد وزير الصحة للمطالبة باستقالته، لم تجد آذانا صاغية.

لكن الناشط يعتقد ان السبب الرئيسي لذلك هو ان النشطاء بغالبيتهم واعون لخطورة الفيروس وسلبيات التجمهر وانتشار العدوى خلال هذه الفترة. وربما في هذا السياق، حولت العديد من المجموعات الاحتجاجية، نشاطها على وسائل التواصل الاجتماعي الى حملات للتوعية حول الفيروس من خلال فيسبوك وتويتر. وحتى هنا، فان الاحزاب التقليدية القائمة المرتبطة بالسلطة السياسية، اقتحمت ميدان العمل التوعوي وفرضت حضورها على حساب نشطاء الانتفاضة.

الا ان ناشطين آخرين رفضوا فكرة الربط بين تراجع النشاط الثوري والاتجاه نحو العمل ضد كورونا، وقالت ناشطة ان عملها ضد الفيروس لا علاقة له بالثورة بأي شكل من الأشكال، بل ان مجموعة التوعية التي تعمل في اطارها، تضم في صفوفها ناشطين لم يكونوا أساسا من مؤيدي الثورة.

ومهما يكن، فقد تضررت الانتفاضة بشكل سلبي بسبب فيروس كورونا. صار ذلك شديد الوضوح. لكن ما يخيف بعض النشطاء ان جمعية المصارف، التي كانت تحولت قبل ظهور كورونا الى قبلة للمتظاهرين واحتجاجاتهم بسبب سياسة الاستيلاء على اموال المودعين والتحكم برقابهم، تستغل حالة الانكماش الثوري وتبدل مخاوف الناس التي صارت أولوياتها محكومة بالخوف على أبنائها وعائلاتها، لتمرر قرارات واجراءات أكثر قسوة وظلما بحق المودعين في البنوك، من بينها مسودة قانون “الكابيتال كونترول”.

فعلى سبيل المثال، احد البنوك كان يسمح للمودع لديه، بسحب 300 دولار شهريا كحد اقصى، وبعد ظهور كورونا بثلاثة ايام، تقلصت القيمة المسموح بها الى مئة دولار شهريا.  

يخشى الناشطون في لبنان الان من ان استمرار وباء كورونا لفترة زمنية طويلة سيوجه ضربة قاسية للانتفاضة التي ما زالت مطالبها الكبرى معلقة، لا بل ان بعض المطالب منيت بطعنات مميتة، مع تدهور الوضع المعيشي للمواطنين.

ومن الصعب لوم اللبنانيين على ما آل اليه حال الثورة، ففي ظل وجود فيروس قاتل، اصاب حتى الان اكثر من 200 شخص، فضل الجميع الاحتماء بمنازلهم مع عائلاتهم، مع اعلان الحكومة مرحلة “التعبئة العامة” وفرض قيود الى التجول واغلاق المؤسسات والشركات العامة والخاصة والمدارس والجامعات، وسط أنباء عن احتمال الانتقال الى مرحلة “اعلان الطوارئ” وفرض حظر تجول عام.

فرض “السلطان كورونا” استبداده على الحياة السياسية في لبنان. وربما من حسن العديد من اللبنانيين ان السياسيين الذين تظاهروا ضدهم في الشهور الماضية، أجبروا هم أيضا على التزام منازلهم، وتجنب الظهور في الأماكن العامة خوفا من الفيروس المميت.

وبالامكان القول ان الطبقة السياسية التقليدية انقسمت ما بين فريقين ناشطين على “تويتر”، فريق يغرد تنكيلا بحكومة حسان دياب وينادي باستقالتها او سقوطها، وفريق آخر يغرد ناصحا ومحذرا من فيروس كورونا، فيما اللبنانيون، الحائرون، الخائفون، يراقبونهم عبر هذا الفضاء السيبراني، ويزدادون حيرة .. أو سخرية .. وهم تحت الحصار في بيوتهم.

خلال الأيام القليلة الماضية، تداول اللبنانيون بعض المشاهد المصورة من مناطق مختلفة من لبنان، لشبان وشابات يرقصون على الشرفات، او يغنون في اطار الترفيه عن النفس في ظل الحجر المنزلي القائم. لكنهم شاهدوا أيضا شرفات رفرفت عليها اعلام أحزاب من السلطة وأناشيد حزبية. كأنها ولت ايام هتافات “ثورة، ثورة، ثورة” التي ظلوا يسمعونها منذ اكتوبر 2019.

ومع ذلك، يقول ناشط في الثورة ان كل ما يجري، بما في ذلك الهلع الشعبي العام، لا يعني فقط سقوط الثقة بالحكومة، وانما يشي بالانهيار الكامل للدولة شكلا ومضمونا. يعد الناشطون أنفسهم باستكمال الثورة واحيائها بعد التخلص من كورونا.

الحانقون على الحكومة الجديدة، من قوى وأحزاب مختلفة، بما في ذلك من طالبت الثورة برؤوسهم، ربما اكتشفوا، الى جانب الثوار الممتقاعدين قسرا حاليا، حليفا جديدا وغريبا لهم لتحقيق رهاناتهم في معركتهم السياسية لاسقاط حكومة حسان دياب: انتشار فيروس كورونا !

وبئس معركة تلك التي تراهن على انتشار وباء، لتسجل انتصارا سياسيا ضئيلا في لبنان المريض.

خليل حرب

نص منشور في موقع “ذات مصر”

عن خليل حرب

خليل حرب
خليل حرب، صحافي لبناني، مدير تحرير في جريدة "السفير" سابقا. يشغل اليوم منصب رئيس تحرير موقع "جورنال".

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*