الرئيسية » العالم » بين مراكش ونيويورك : ولادة قيصرية لاول ميثاق عالمي للمهاجرين

بين مراكش ونيويورك : ولادة قيصرية لاول ميثاق عالمي للمهاجرين


شهدت مدينة مراكش المغربية في كانون الاول 2018، المحاولة الاولى لصياغة اتفاق عالمي لتنظيم الهجرة. وعلى الرغم من قصص معاناة الملايين حول العالم منذ ارتسمت حدود الدول، فان الوثيقة الموقعة بعد طول انتظار، ليست ملزمة، وولدت في ظل انقسام كبير حولها، وشكوك قد تجعلها مجرد بارقة امل خافتة لا اكثر.

خليل حرب

+++++++++++++++++++++++++++++++

وبعد التصويت على “وثيقة مراكش” في 11 كانون الاول 2018، صادقت الجمعية العامة للامم المتحدة رسميا في 19 من الشهر نفسه، بغالبية كبيرة على “الميثاق العالمي للهجرة”.

وبينما نالت الوثيقة تاييد 164 دولة في مراكش، فانها حصلت على مصادقة 152 دولة في نيويورك. اعترضت كما كان متوقعا، الولايات المتحدة والى جانبها المجر وتشيكيا وبولندا، بالاضافة الى “اسرائيل”، فيما امتنعت 12 دولة عن التصويت.

وعكست المواقف من وثيقة مراكش، بطبيعة الحال، سياسات الاحزاب الحاكمة في دولها. هناك دول انسحبت بالكامل من المفاوضات، وهناك دول اعترضت على الوثيقة . تفكك ايضا الائتلاف الحاكم في بلجيكا بسبب الخلاف حولها، واعلان رئيس وزراء بلجيكا شارل ميشال (18 كانون الاول 2018) استقالة حكومته (وسط يمين) بعد تسعة أيام من استقالة وزراء قوميين فلامنك يعارضون تاييد بلجيكا لميثاق الهجرة فيما تشهد البلاد تجمعات احتجاج معارضة للهجرة والمهاجرين.  

وعلى مستوى العالم، هناك معارضون اعتبروا ان الوثيقة تمس سيادة دولهم وقراراتهم الداخلية وتشرع الابواب على مصراعيها لتدفق جحافل المهاجرين. وهناك معترضون، من بينهم منظمات حقوقية، قالوا ان نص الوثيقة ليس عادلا بما يكفي، ومبهما بدرجة لا توفر الحماية اللازمة للمهاجرين. وبين هذا وذاك، حاول الامين العام للامم المتحدة انطونيو غوتيريش ان يوازن المعادلة الصعبة.

قال غوتيريش ان “الهجرة ستظل دائما موجودة، ويجب ان يتم تدبيرها على نحو افضل. انه لمصدر عار لنا جميعا، أن يلقى 60 الف مهاجر حتفهم في رحلات خطيرة خاضوها سعيا للهجرة منذ العام 2000”. واكد ان الوثيقة “خريطة طريق لمنع المعاناة والفوضى”، محاولا تبديد التقديرات القائلة بانها تمس سيادة الدول بالقول انها اوهام، ومعتبرا ان الوثيقة تعتمد على التعاون الدولي وتنظيم الهجرة، القائم على اساس مبدا سيادة الدولة.

والمعادلة صعبة لاسباب كثيرة، الى جانب التعقيدات السياسية داخل كل دولة، بالاضافة الى الرقم الكبير للمهاجرين حول العام اذ تقدرهم الامم المتحدة بنحو 258 مليون انسان، اي انهم يمثلون 3,4 في المئة من مجموع سكان العالم، وتبلغ حصيلة تحويلاتهم المالية حوالي 450 مليار دولار. اما بالنسبة الى اللاجئين، فان تقديرات مفوضية الامم المتحدة للاجئين، تقدرهم بنحو 24 مليون لاجئ حول العالم.

وكانت فكرة الوثيقة بدات بالظهور في العام 2016، عندما كانت قضية اللاجئين تتفاقم الى مستويات غير معهودة، سواء من سوريا او من سواحل افريقيا نحو اوروبا.

في ذلك الوقت، صدر ما عرف باسم “اعلان نيويورك” الذي ينادي بالتعاون لتقاسم اعباء اللاجئين، ووافقت عليه 176 دولة تحت شعار “اعباء متوازنة وتقاسم المسؤولية” ومن اجل تحقيق اربعة اهداف اساسية، هي تخفيف العبء عن الدول التي استقبلت اعدادا كبيرة من اللاجئين مثل لبنان وتركيا والاردن، وتعزيز الدعم المادي والانساني للاجئين، واعادة توطين للاجئين الذين يحتاجون إلى رعاية طبية ملحة، واخيرا خلق الظروف الملائمة في الدول الاصلية للاجئين بما يتيح عودتهم بامان.

ثم جاء مؤتمر مراكش تتويجا ل18 شهرا من المفاوضات بين الدول، وذلك بحضور المستشارة الالمانية انغيلا ميركل التي عانت بلادها الامرين من ازمة اللاجئين في وقت تتصاعد فيه موجة الاحزاب اليمينية المعادية بشكل عام للمهاجرين في اوروبا، بالاضافة الى الولايات المتحدة نفسها واستراليا، خصوصا بين القوى التي تنادي باغلاق الحدود في وجه اللاجئين.

وفي ظل هذه الهواجس المتعددة الخلفيات، لم يكن من الممكن ابرام اتفاق ملزم للدول، وانما كانت القاعدة الاساسية التي روجت الامم المتحدة على اساسها موقفها من الوثيقة، هو “التعاون” بين الحكومات والدول لتنظيم الهجرة، اي قوننتها، وتفعيل ادارة الحدود، والحد من عبور الحدود بطريقة غير قانونية.

وبمعنى اخر، فان مؤتمر مراكش استند على فكرة ان اتفاقية جنيف الخاصة باللاجئين التي اعتمدت عالميا في العام 1951، تعاني من ثغرة اساسية. وصحيح ان هذه الاتفاقية تنص على حق اللجوء للاشخاص الذين يفرون من بلادهم بسبب الحروب او الاضطهاد، ونيل حقوقه الاساسية للحياة في بلد اللجوء، الا انها لا تضع معايير محددة وواضحة لكيفية تعاون الدول فيما بينها لتنظيم مساعدة اللاجئين.

ولانه لا يوجد بند ملزم في وثيقة مراكش، حتى لا تشعر أي دولة بحساسية المساس بسيادتها، فان تطبيق نصوصها تعتمد على تعاون الدول مع الاخذ بالاعتبار الاتفاقات والتفاهمات الدولية في هذا الخصوص.

لكن البند الاكثر اغراء ربما بالنسبة الى بعض الدول قد يتمثل في النص الذي يدعو الى “الحد من العوامل السلبية التي تمنع المواطنين من العيش الكريم في بلدانهم الاصلية”.

وبمعنى اخر، تهيئة الظروف الملائمة بشكل اكبر في الدول التي تخرج منها الاعداد الاكبر من المهاجرين، سواء بسبب الحروب او الاضطهاد والقمع او بسبب الفقر والحرمان.

لكن في المقابل، هناك بند اخر قد يثير ريبة العديد من الدول، اذ تشير الوثيقة في احد نصوصها الى ضرورة خلق الظروف التي تمكن جميع المهاجرين من اثراء المجتمعات من خلال قدراتهم البشرية والاقتصادية والاجتماعية، ودمجهم لدفع التنمية على المستويات المحلية والوطنية والإقليمية والعالمية.

ويعني هذا البند فيما يعنيه ان بعض الدول التي استقبلت المهاجرين، عليها العمل من اجل “دمج” المهاجرين، وهي فكرة تعني بالنسبة الى كثيرين “التوطين”.

ويتضمن نص مراكش غير الملزم والواقع في 25 صفحة مبادئ تتعلق بالدفاع عن حقوق الانسان والاطفال والاعتراف بالسيادة الوطنية للدول، ويقترح اجراءات لمساعدة البلدان التي تواجه موجات هجرة من قبيل تبادل المعلومات والخبرات ودمج المهاجرين، كما ينص على منع الاعتقالات العشوائية في صفوفهم وعدم اللجوء إلى ايقافهم الا اذا كان خيارا اخيرا. وهذه النقطة الاخيرة اثارت حنق الولايات المتحدة تحديدا التي سجل انها احتجزت نحو 25 الف شخص خلال الاسابيع الماضية من المهاجرين الذين حاولوا عبور حدودها.

وهكذا تضاربت المواقف من الوثيقة. منظمة العفو الدولية على سبيل المثال، اعتبرت انه من المؤسف ان يكون “تطبيق الميثاق رهينا بحسن نوايا الدول التي تدعمه طالما انه غير ملزم”. اخرون اعتبروا ان الوثيقة لا تضمن حصول المهاجرين على الخدمات الانسانية الاساسية، بينما اشتكى منتقدون من ان وثيقة مراكش، من شانها ان تفتح الابواب امام موجات هجرة من الصعب السيطرة عليها. اما المانيا، فقد رات في الوثيقة محاولة اممية الطابع لمواجهة خطر الهجرات غير المشروعة، وجرائم الاتجار بالبشر.

وراقب الجميع موقف الولايات المتحدة التي انسحبت من المفاوضات التي سبقت مؤتمر مراكش برعاية الامم المتحدة، ثم حاولت بحسب ديبلوماسيين التاثير على قرارات دول اخرى قبل التصويت في الجمعية العامة للامم المتحدة. سبق لواشنطن ان اعلنت رفض اي شكل من اشكال الحوكمة العالمية، مشددة خصوصا على ان الميثاق “لا ينسجم مع القانون الاميركي وسياسة الشعب الاميركي ومصالحه”.

وذكر بيان صادر عن البعثة الدبلوماسية الاميركية لدى الامم المتحدة ان “القرارات حول امن الحدود في شان من يتم السماح له بالاقامة قانونا او الحصول على الجنسية، هي من بين القرارات السيادية الاكثر اهمية التي يمكن أن تتخذها دولة ما”.

وكانت مفاوضات الامم المتحدة التي اختتمت في 13 تموز 2018، شهدت تاييد اكثر من 170 دولة، لكن مع بدء مسار مؤتمر مراكش انسحبت دول كانت من الموافقين هي، النمسا واستراليا وتشيلي وتشيكيا وجمهورية الدومينكان والمجر وليتوانيا وبولندا وسلوفاكيا، في حين قررت سبع دول اخرى التمهل لاجراء المزيد من المشاورات في حكوماتها، وهي بلجيكا وبلغاريا واستونيا وايطاليا وسلوفينيا وسويسرا بالاضافة الى “اسرائيل”.

اهم بنود الميثاق

-الحد من العوامل السلبية التي تمنع المواطنين من العيش الكريم في بلدانهم الاصلية.

-تخفيف المخاطر التي يواجهها المهاجرون في طريقهم إلى بلدان الهجرة، من خلال احترام حقوقهم الانسانية وتوفير الرعاية اللازمة لهم.

– الإحاطة بالمجتمعات والدول، وادراك التحولات الديمغرافية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية وتاثيراتها على تفاقم الهجرة.

– تهيئة الظروف التي تمكن جميع المهاجرين من اثراء المجتمعات من خلال قدراتهم البشرية والاقتصادية والاجتماعية، ودمجهم لدفع التنمية على المستويات المحلية والوطنية والاقليمية والعالمية.

– مواجهة التضليل ونبذ خطاب العنف والكراهية فيما يتعلق بالهجرة.

– منع الاعتقالات العشوائية في صفوف المهاجرين وعدم اللجوء الى ايقافهم سوى كخيار أخير.

من موقف لبنان

مما اعلنه وزير الخارجية والمغتربين في حكومة تصريف الاعمال، جبران باسيل، في كلمة لبنان في مؤتمر مراكش: 

-الهجرة اذا أحسنا ادارتها تؤدي الى تنوع حضاري، وتكون مصدر غنى وسلام لبلداننا، واذا اسانا التحكم بها وتركناها من دون ضوابط تؤدي الى فوضى حضارية وتكون مصدر تصادم وقتتال لشعوبنا.

-الهجرة خيار أما اللجوء فقسري، وقبول الهجرة حق سيادي للدول المضيفة اما اللجوء فمفروض عليها. الهجرة طموح اما اللجوء فياس. الهجرة بحث عن ارض الاحلام اما اللجوء فبحث عن الامان. الهجرة تنوع اما اللجوء فمس بالتنوع. الهجرة ساهمت في عظمة الدول اما اللجوء فساهم في تخريبها وانحطاطها.

-ضرورة عدم الخلط بين حقوق الانسان مهما كان، وبين سيادة الدولة ومصلحة شعوبها مهما كلفت. فاللاجىء له حقوقه الانسانية دون ان تعطيه هذه الصفة حقوقاً على الدول او مساً بسيادتها.

-لبنان اكد على ضرورة التمييز بين الاتفاق الخاص بالهجرة المنظمة والاتفاق الخاص باللاجئين، لاختلاف طبيعة الاتفاقين واطرهما القانونية، كذلك موقفنا المشدد على الطابع غير الالزامي لهذه الوثيقة واحترامها لسيادة الدولة وخصوصياتها في تحديد سياساتها الوطنية واولوياتها المتعلقة بالهجرة.

-لبنان بانسانيته استقبل الهاربين من عصابات الهاجانا في فلسطين ومجموعات الارهاب في سوريا وتحمل الاعباء والخسائر منفردا، وهو يستحق ان يقف الجميع احتراما له، لا ان يحاول الكثيرون أن يوقفوا سيول اللاجئين داخل ارضهم بانتظار حل سياسي، فيدفع لبنان وحيدا ثمن الحرب وثمن الحل.

-انا هنا لاناشدكم بان الحل الوحيد للنزوح الجماعي هو في العودة الامنة والكريمة والمستدامة والممرحلة للنازحين السوريين الى بلادهم، وكل حل آخر سوف يبقي الخنجر في قلب لبنان والسكين على اعناقكم.

الامم المتحدة عن الهجرة

منذ الأزمنة الاولى والبشرية في حالة تحرك وتنقل. فبعض الناس ينتقلون بحثا عن العمل او لاسباب اقتصادية، ومنهم من يهاجر للانضمام إلى افراد عائلته او سعيا لتحصيل اكاديمي. بينما يتنقل اخرون هربا من الصراع او الاضطهاد او الارهاب او انتهاكات حقوق الإنسان، وبعضهم يهاجر بسبب اثار تغير المناخ والعوامل الطبيعية والبيئية الاخرى.

تفوق اعداد من يعيشون ببلدان غير التي ولدوا فيها اليوم اي احصائيات مضت. ففي عام 2017، بلغ عدد المهاجرين 258 مليون شخص، مقارنة بنحو 173 مليون في عام 2000. ويعتقد ان نسبة المهاجرين من سكان العالم اعلى بقليل من تلك المسجلة على مدى العقود الماضية، اي ما يزيد عن 3.4٪ في عام 2017، مقارنة مع 2.8٪ في عام 2000 و2.3٪ في عام 1980. ويهاجر العديد الى بلاد خارج نطاق الاختيار، واغلبهم يهاجر بسبب الضرورة. وهناك ما يقرب من 68 مليون مشرد قسري، بما في ذلك اكثر من 25 مليون لاجئ و3 ملايين طالب لجوء واكثر من 40 مليون مشرد داخليا.

وشكلت المهاجرات 48٪ من هذا التعداد. ويقدر عدد الاطفال بنحو 36.1 مليون طفل مهاجر و4.4 مليون طالب دولي و150.3 مليون عامل. ويقيم 31٪ من المهاجرين في قارة اسيا و30٪ في اوروبا و26٪ في الاميركيتين و10٪ في افريقيا و3٪ في البلدان الجزرية.

http://www.general-security.gov.lb/uploads/magazines/64-2/18.pdf

عن خليل حرب

خليل حرب
خليل حرب، صحافي لبناني، مدير تحرير في جريدة "السفير" سابقا. يشغل اليوم منصب رئيس تحرير موقع "جورنال".

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*