الرئيسية » الخليج » عن سوريا والوهابية .. والتناقضين القطري والسعودي !

عن سوريا والوهابية .. والتناقضين القطري والسعودي !

 

الفضيحة التي تعاملت معها وسائل اعلام خليجية ومواقع التواصل الاجتماعي حول “الارهابي” القطري مبارك العجي، بعد ادراجه على لائحة ارهاب قطرية، بعد سنوات على مثابرته العلنية من اجل تمويل الذبح السوري، بدعم “جبهة النصرة” بالاموال، ثم السماح له بالامس بالمشاركة في ماراثون رياضي، في جوانبها الكثير من الامور الاكثر تشويقا وغرابة.

وفي واقع الامور، لا يختلف التناقض القطري هذا مع ما يبدر عن السعودية التي تقود حملة ضد جارتها الصغيرة للتشهير بها باعتبارها راعية للارهاب. ولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان، قال قبل يومين خلال زيارته الحالية الى الولايات المتحدة، ان نشر الوهابية في الخارج كان بتحريض من حكومات الغرب من اجل مواجهة المد السوفياتي، اذ قال في معرض دفاعه عن الدور الوهابي في العالم، ان “جذور الاستثمار السعودي في المدارس والمساجد تعود إلى فترة الحرب الباردة، عندما طالب الحلفاء السعودية باستخدام مواردها لمنع الاتحاد السوفياتي من تحقيق نفوذ في الدول الإسلامية”، قبل ان يضيف ان الحكم السعودي سابقا استجاب لهذه الطلبات، وان هذا الامر سيتغير الان.

يقر بن سلمان ان الحكم السعودي وطوال سنوات كان ينفذ ارادة خارجية، اميركيا تحديدا، في اطار لعبة القوى الكبرى، وان المساهمة في تمويل التيارات الجهادية، والتي ساهم والده الملك سلمان فيها بفعالية عندما كان اميرا لمنطقة الرياض، كانت خطأ، وان الوقت قد حان للتراجع عنها بعدما صار اسم السعودية والوهابية ملتصقان بالارهاب.

 

قطر، من جهتها، لا تختلف كثيرا. احتضان الارهاب وفتح المنابر الاعلامية والحاضنة السياسية والاموال والسلاح، كانت برضى اميركي صريح. في عهد الرئيس الاميركي السابق باراك اوباما، الذي كان يفضل الا تظهر واشنطن منخرطة في “تغيير انظمة”، مثلما جرى في ليبيا مثلا، ثم المحاولة التي جرت في سوريا، تولت قطر “المهمات القذرة” علانية: مال، سلاح، اعلام، عمل سياسي على المستوى الخليجي والعربي والدولي.

ولم تكن قطر وحيدة. الداعية السلفي الكويتي حجاج العجمي كان يعمل علانية على تنظيم حملات التمويل خليجيا واعتلاء المنابر للمناداة بالجهاد في سوريا، بل المساهمة في تنظيم العمل الدعوي والتكفيري على الارض السورية، بما في ذلك مد المقاتلين باموال التبرعات والاسلحة.. والصلوات !

ومنذ ان اعلنت واشنطن في آب/اغسطس العام 2011، ضرورة رحيل نظام الرئيس بشار الاسد، تحرك دعاة وسياسيون في قطر وغيرها، للعمل. حجاج العجمي من الكويت، ونسجت خلايا عمل في قطر، كان يمثلها القطري مبارك العجي الذي كان ينادي على حسابه على “تويتر” بتكفير الشيعة والتاييد لاسامة بن لادن وتنظيم القاعدة.

 

العجمي

وكان هناك الداعية الكويتي الاخر محمد العويهان، الذي كان يعمل من قطر ايضا. نسجت الاجهزة القطرية علاقات تمويل مع مجموعة كبيرة من القيادات الاخوانية ايضا، من المقيمين في الدوحة. خليط تشكل اذن، من قاعديين واخوان وسلفيين ووهابيين. العويهان هذا، برز على الاعلام عندما جاهر بنداء من اجل غزوة الساحل السوري.

وبحسب ما نشر في وسائل اعلام اميركية، فان جمع التبرعات كان منظما على شكل الفئات التالية: الهدية “الذهبية” كانت عشرة آلاف ريال قطري (٢٧٥٠ دولار)، والتبرع “الفضي” خمسة آلاف ريال. وعندما كانت تصل تبرعاتٌ  كبيرة، كان مبارك العجي وآخرون يحتفون بها على “تويتر”.

حجاج العجمي كان يتباهى على “تويتر” بقربه من “أحرار الشام” التي خاطبته برسالة تضامن بعدما ادرجته وزارة المالية الاميركية على لائحة لائحة الداعمين للارهاب.

وعلى الرغم من محاولات قطر ابعاد الشبهات عنها، كما فعلت مؤخرا باصدار اسماء المدرجين على قوائمها للارهاب، الا ان ما كانت تفعله الدوحة فعليا، هو اخلاء مسؤوليتها شكليا. وفي الوقت نفسه، كانت شخصيات مثل العجمي والعويهان ومبارك العجي، ينشطون بشكل علني، لا بل ان نشاطهم كان يجري احيانا باحتضان حكومي لا خجل فيه. وفي اذار/مارس العام ٢٠١٢ وكانون الثاني/ يناير العام ٢٠١٤، دعت وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية القطرية الداعية السعودي محمد العريفي، الذي قد كان من ابرز دعاة “الجهاد” في سوريا، لإلقاء خطبة الجمعة ومحاضرةً في المسجد الكبير في قطر. كما تورد التقارير اسم الداعية السلفي الكويتي نبيل العوضي، الذي يوصف بانه أحد جامعي التبرعات البارزين لصالح جماعاتٍ قريبة من “جبهة النصرة”. وقد شارك كمحاضر في قطر خلال المهرجان الرمضاني الذي نظم في تموز/ يوليو العام ٢٠١٤، واستضافته مؤسسة للمساعدات والأعمال الخيرية على صلة وثيقة بالحكومة.

ومع سقوط ليبيا في الفوضى الشاملة، والتي كان لقطر دور كبير فيها، جاءت سوريا لتصبح الساحة التي تكبدت فيه الشبكة القطرية خسائرها الأكبر. التنافس بين قطر والسعودية الذي انعكس على ادواتهما من مجموعات على الساحة السورية، ساهم في تأجيج الصراع بين المسلحين انفسهم، من اجل نيل الحصة الاكبر من التمويل السخي والعشوائي المتدفق على ارض الشام. كما صارت هذه الجماعت اكثر تشرذما.. ولاحقا اكثر تطرفا بعد تعثر مشاريعها وظهور تنظيمات اكثر قوة وتمويلا ك”داعش”.

ووصفت السياسة القطرية والسعودية هذه بانها “نظام المناقصات” التي ساهمت في افساد المسلحين. ينقل عن ممول سوري متعاطف مع “الاخوان” ومقيم في الدوحة، أن “الجماعات، عادة، ما تقدم حوالي ثلاثة آلاف اسم، بينما في الواقع ربما لا يوجد ما هو أكثر من ثلاثمائة أو أربعمائة شخص، ويذهب المال الفائض في الاتجاه الخاطئ. ويفعلون الأمر نفسه فيما يخص العمليات العسكرية، فإذا ما كانت الاحتياجات تقدر بمليون دولار، ربما يطلبون خمسة ملايين. وبعد ذلك تختفي الأربعة ملايين الأخرى.”

ولم يمض وقت طويل على اندلاع الازمة السورية في العام 2011، حتى ظهرت علامات التطرف بين الجماعات المسلحة، بما في ذلك فصائل “الجيش الحر” الذي كان الغرب يحرص على الترويج له كقوة معتدلة ومقبولة من السوريين والعالم. وفي نهاية العام 2012، كانت قطر تنادي بان على العالم الا يقلق الان من ظهور المتطرفين. خالد العطية الذي كان وقتها وزيرا للخارجية، قال “إنني أعارض بشدة إقصاء أي طرف في هذه المرحلة، أو نعتهم بالإرهابيين أو تصنيفهم كتابعين للقاعدة”.

امير قطر تميم نفسه، قال مع توليه منصبه لشبكة “سي ان ان” الاميركية “سيكون خطأ كبيرا” أن نضع كل الجماعات ذات الميول الإسلامية في سوريا في سلة واحدة باعتبارهم متطرفين.

وبحسب تقرير اميركي، فانه على الرغم من التكتم بين جيوب محددة في الحكومة الاميركية، لا سيما أولئك الذين قد عملوا في ليبيا، فقد كانت لا تزال أقل الخيارات سوءًا: فقطر، حليفة الولايات المتحدة، كان بإمكانها أن تساعد في تقديمم حلٍ إقليمي لصراعٍ لم يكن البيت الأبيض راغبًا في التورط فيه. كل ما في الأمر أن واشنطن طلبت ببساطةٍ من الدوحة ألا ترسل صواريخ مضادة للطائرات والدبابات للمتمردين، وهو الأمر الذي فعلته أحيانًا على أي حال”.

وبحسب المصادر ذاتها، تميز القطريون عن السعوديين، بانهم اكثر سرعة واستعداد للمغامرة من الرياض التي كانت اكثر تمهلا وحذرا كعادتها، خصوصا عن ارسال اسلحة الى سوريا. ويقول مسؤول اميركي سابق عن شحنات اسلحة قطرية برعاية الاستخبارات الاميركية جرت في عامي 2013 و2014، “كان يعمل في تسهيل الإجراءات بين الوكالات ثلاثة أشخاص فقط”.

هذه بعض خلفية المواقف القطرية في السنوات الماضية. ولذلك، فان تكريم محمد بن سعد العجي، المدرج قبل ايام على لائحة ارهاب قطرية، ومشاركته بماراثون وفوزه بجائزة مالية رمزية، كان مناسبة سهلة وملائمة للاعلام التابع لدول الحصار، للتنكيل بالموقف القطري.

قناة “العربية” السعودية اعدت تقريرا مطولا عن هذه القضية مذكرة بان اسم العجي ورد من بين 19 اسما في القائمة القطرية للإرهاب، والتي تم الإعلان عنها من قبل وزارة الداخلية القطرية الخميس الماضي. كما ان اسمه ورد في قائمة الدول الداعية لمكافحة الإرهاب “السعودية والإمارات والبحرين ومصر” في العام 2017. وبالاضافة الى ذلك، يرد اسمه في قوائم الارهاب الاميركية.

ونشر العجي على حسابه على “إنستغرام” صورة له قائلا: “شاركت في بطولة دوحة تراثيليون الفئة الوطنية، واللي كانت بالمتحف الإسلامي يوم الجمعة الماضي”. وفي الصورة يظهر فيها العجي على منصة التكريم لمكافأته بمبلغ ثلاثة الاف ريال قطري بعد فوزه بالمركز الثاني، وإلى جانبه أحد المسؤولين القطريين، إضافة إلى مشاركته في سباق الـ”فات بايك” بتحدي العديد وتكريمه بمبلغ اربعة الاف ريال قطري لفوزه بالمركز الأول.

واعتبرت “العربية” في تقريرها ان “السلطات القطرية سجلت سابقة في تاريخ الأمن العالمي، لاحتمالية أن تضع شخصاً في قائمة الإرهاب، وفي نفس الوقت تدعوه للمشاركة في ماراثون تشرف عليه الجهات الرياضية الحكومية القطرية، ليس ذلك وحسب بل تمنحه جائزة تكريمية، إلا أنه ومع ذلك لا يزال الشخص مرصودا للأمن القطري!”.

ويظهر العجي في صور لها بملابس كأنه عنصر في “القاعدة” والى جانبه سلاح، كما يظهر في صور اخرى بالزي الوطني القطري وتارة بالرياضي، وتارة بالعسكري.

وذكرت “العربية” انه في العام 2013 قاد حجاج العجمي ومبارك العجي حملة تعبئة للشعب القطري تحت عنوان “فزعة أهل قطر للشام” وهي حملة قطرية لجمع التبرعات لشراء أسلحة للمقاتلين في سوريا، وعمل العجي كمنسق وضابط اتصال في قطر لأنشطة جمع التبرعات الخاصة لحجاج العجمي. كما اشارت الى انه سبق ان اعتقل في الكويت العام 2015 للتحقيق معه بسبب نشاطه في تمويل المسلحين، الا ان السفارة القطرية عملت على اعادة ترحيله الى الدوحة.

ورغم ظهوره بملابس عسكرية خلال وجوده في سوريا العام 2013 حيث يبدو انه شارك في القتال هناك ونقل الدعم، عاد الى قطر لاحقا والتحق الخدمة الوطنية للقوات المسلحة القطرية. ومنذ العام 2015 تم تعيين العجي مسؤولا في مركز الرواد التعليمي لأطفال في الدوحة، والذي استضاف محاضرات من قبل متطرفين متعاونين مع “القاعدة” من بينهم وجدي غنيم وحجاج العجمي.

 

 

عن خليل حرب

خليل حرب
خليل حرب، صحافي لبناني، مدير تحرير في جريدة "السفير" سابقا. يشغل اليوم منصب رئيس تحرير موقع "جورنال".

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*