الرئيسية » اراء ودراسات » مصطفى ناصر..قاوم اغراء الاسرار

مصطفى ناصر..قاوم اغراء الاسرار

 

نفتقدك، فثمة أحاديث القيت على غير مسعمك، فصار بلبنان ما صار، كأن لا أحد هناك وكأن لا أحد هنا يعرف الصمت غيرك. فيا ثالث الثلاثه في الغرفة المغلقة، ها هو الموت قد نزل عندك ذاك المساء، راح يأخذ منك سرا تلو الأخر، إلى أن ماتت كل أسرارك..فرحلت.

مات مصطفى ناصر، فعاش لبنان ولا يزال في حضرة أزمة تسريب، دخان الاطارات المشتعلة ملأ السماء، واظرف الاعيرة النارية  تناثرت أرضا، القيت التهمة المعلبة عن سابق “حرب اهلية” لا أحد كان يبالي بشيء غير جيبه وطائفته، كل ذلك كان بقيمة دقيقة ونصف فقط سربت من حديث الوزير جبران باسيل، في حين كان الثمن من سنوات الصمت لمصطفى ناصر هو لبنان، لبنان الذي لا يعي اغلب من فيه الفرق بين القيمة..والثمن.

لم يكن مصطفى ناصر سوى اتفاق طائف يمشي على رجليه، تجاذب اللبنانيون ورقة كتب بها “العيش المشترك” من دون أن يطبقها أحد سواه. تعدى مرحلة الاستماع الى ان صار رجل الوصل بين زعماء الطوائف. عمل مع الشهيد رفيق الحريري مستشارا على الورق، وصندوق اسرار عند الحديث، وصديق الصديق على الارض كلما أراد لقاء السيد حسن نصرالله، أمتهنته الصحافة ولم يمتهنها، وإلا كيف له أن يقاوم اغراء قلمه من دون أن يكتب كل تلك الاسرار التي بحوزته.

هو لا يشبه إلا نفسه، وشيء من محمد حسنين هيكل، ذاك الذي ترك عنده بعض مما لم يقله ويكتبه، كان ثالثهما أيضا، السيد نصرالله وهيكل عندما جمعتهم طاولة عشاء بسيط واحاديث فخمة، نقل عنها مصطفي ناصر ما لا يطيق أن يسمعه عدو الاثنين المتربص: “الفراكة” والخضراوات.. ونظرة الاستاذ إلى السيد من الاسفل إلى الأعلى.

ولمصطفى ناصر تاريخ مهني لايمكن ان يتم اغفاله، كان يحمل القلم بينما الاخرون في لبنان يتدججون بأسحلتهم في الحرب الاهلية، عمل بالاذاعة وأسس وكالة أنباء، وكتب في “السفير” وقابل من قابل من الملوك والرؤساء والشخصيات المهمة، كان وطنينا في قلمه، وعروبيا في فكره، لم تنخره الطائفة، ولم تحيده الاموال عن الخط الذي بناء لنفسه والطريق الذي اختار ان يمشي عليه، ولم يكن مرضه سوى سر ايضا، سابق به الموت على صحيفة “الاتحاد” فنشرها وظل محافظا على اخلاق المهنة، نت دون يقدم عبرها أي شيء عن أحاديث الماضي أو تسريبات الحاضر، هو يعرف جيدا أن الصحافة ليست “ويكيلكس” وان الاستقصاء ليس تسريبا، فاكتفى بأن يكتب بها عن فيروز التي أحب: بس انت..انت وبس، قبل أن يغلق الباب عليها ويتوسده اسراره ووجعه بإنتظار الموت، وكأن أجمل الاحلام هي ما يتحقق بأخر العمر.

أن تكون صحافيا يعني أن لاتكتب كل الذي تعرفه ولا تقول كل الذي تسمعه، أن تكون صحافيا يعني أن تكون ولو شيئا بسيطا من مصطفى ناصر.

 

جهاد محمد

 

عن جورنال

Avatar

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*