كتب خليل نصر الله:
لم تكن الظروف طبيعية حين استقرت القوى السياسية العراقية على اسم محمد شياع السوداني لتولي رئاسة الوزراء عام 2022. صراع داخلي وصل حد الاشتباك المسلح وكاد أن يطيح بالبلاد ويدخلها في أتون فوضى وبحر من الدماء يصعب الخروج منها.
شخصية الرجل الآتي محملا بتجربة في البعد الأجتماعي والتنموي والتجاري ومكافحة الفساد، ساعدته في إدارة الملفات الداخلية المعقدة، وأعطته في المقابل زخما وحضورا أكبر على الساحة العراقية.
لكن الحديث عن البعد الداخلي وتعقيداته لا يمكن فصله عن البعد الإقليمي وموقع العراق في الصراع القائم، خصوصا لجهة الحرب الإسرائيلية التي بدأت من غزة وامتدت إلى المنطقة، وصولا إلى استهداف الدوحة، بعد فترة من حرب على إيران، وهي الحرب الأكثر تأثيرا على واقع العراق، حيث تمكن من العبور منها دون خسائر بعدما نجح محمد شياع السوداني في الحفاظ على الثوابت لجهة إدانة الحرب ورفضها والتأكيد على حق طهران في الدفاع عن نفسها وبالتالي النأي بالعراق عن الاشتباك، بعد تنسيق مع مختلف الأطراف الفاعلة، سواء الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أو حتى الولايات المتحدة الأميركية، رغم استخدام “إسرائيل” لأجوائه مستفيدة من ظروفه وواقعه والسطوة الأميركية على كامل المنطقة.
مع بدء الحرب الإسرائيلية على غزة، عملت قوى المقاومة في المنطقة على فتح جبهات إسناد للفلسطينيين، كان هدفها الرئيس هو تشكيل حالة ضغط لوقف الحرب على القطاع، اشتعلت جبهة لبنان، وعمل اليمن على تفعيل أوراق بحرية وقصف العمق الإسرائيلي، فيما بدأت فصائل مقاومة عراقية بتنفيذ ضربات اتجاه القواعد الأميركية في كل من سوريا والعراق، وتوجيه ضربات نحو العمق الإسرائيلي من شماله إلى جنوبه عبر صواريخ وطائرات مسيرة.
استهداف القواعد الأميركية، كان بهدف الضغط على الأميركيين ليضغطوا على إسرائيل لوقف حربها، خصوصا أنهم كانوا يؤمنون دعما كاملا لها، الأمر الذي استجلب على العراق ضغوطات كبيرة، خصوصا في البعد المالي، وتم التلويح بفرض عقوبات تطال الدولة العراقية.
هذا الإستحقاق، وفي ظل هدف تلك الضربات، وضع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني في موقف حساس ودقيق، فهو من جهة يؤكد على موقف العراق من إدانة ورفض الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، ومن جهة أخرى على ضرورة العمل على منع توسعها، وكذلك الأخذ بمصلحة الشعب العراقي، حيث توجد قدرة لدى الأميركيين على التأثير في الواقع الداخلي وتشديد الضغط الذي يمكن أن يطال لقمة عيش الشعب العراقي.
في تلك المرحلة، حضر وزير الخارجية الأميركي السابق أنتوني بلينكين، إلى بغداد أكثر من مرة، وحمل معه سلسلة من التهديدات، وترجم بعضها لاحقا إن في توجيه ضربات وتنفيذ عمليات اغتيال داخل العراق، أو من خلال التأثير على العملة الوطنية العراقية.
في وقتها، عمل السوداني على التواصل مع الدول الإقليمية المؤثرة منها طهران، كما خاض سلسلة مشاورات مع فصائل المقاومة، ليتمكن من الخروج بما بات يعرف ب “هدنة الثاني من شباط”، والتي بموجبها أوقفت الفصائل استهداف القواعد الأمريكية، لكنها حافظت على وتيرة معينة لاستهداف العمق الإسرائيلي، وهو ما يعد إخراج العراق من ضغط كبير، كان يمكن أن يؤدي إلى التأثير في واقعه السياسي، نسبة إلى ظروفه المعروفة.
تلك المرحلة، لم تكن الأخيرة، فقد تمكن السوداني من توسيع حزام الأمان للعراق، عبر تثبيت العلاقة الإستراتيجية مع طهران من منطلقات وطنية والحفاظ عليها، وكذلك العلاقة الجيدة مع الدول العربية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، وكذلك المحافظة على العلاقة مع دول غربية على رأسها واشنطن صاحبة التأثير في المنطقة، بحكم الأمر الواقع.
توسيع حزام الأمان، ترافق مع الحفاظ على الثوابت الوطنية العراقية، علاقاته جيدة بدول الإقليم، موقف مبدئي من القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في مقاومة الإحتلال. والملفت أن العراق، في مرحلة السوداني، التي شهدت خلالها المنطقة متغيرات صعبة ولا زالت مستمرة، لم تدفع رئيس الوزراء وحكومته إلى تبني مشروع “التطبيع”، بل أكد على رفضه ولأسباب كثيرة، وما حضوره في قمة شرم الشيخ إلا تأكيد على الموقف، خصوصا مع تأكيد السوداني رفض حضور القمة إن حضرها رئيس وزراء الإحتلال “بنيامين نتنياهو”، وهو ما دفع الأخير إلى العدول عنها، بعد موقف السوداني والرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
في المحصلة، إن الإستقرار الذي يمر به العراق، والذي ارتفعت نسبته يعود في جزء كبير منه إلى سياسة حكومة السوداني التي تحظى بدعم كبير داخل العراق – وهو الأساس – ونظرة إيجابية إقليمية ودولية لها، ما يساعدها على تعزيز دور بغداد في المنطقة الذي يرى فيه كثر حاجة وليس مجرد دور تشريفي.
جورنال – جريدة الكترونية