الرئيسية » لبنان » الكوليرا يعود الى لبنان المنهك

الكوليرا يعود الى لبنان المنهك

لبنان امام خطر متسارع لانتشار مرض الكوليرا، وهو خطر لا يقتصر على المرض نفسه، وانما على الضغوط الاضافية التي يفرضها على القطاع الصحي فيما البلد يواجه اسوا اوضاعه الاقتصادية والمعيشية منذ عقود، ولهذا يبدو ان لا خلاص امام لبنان سوى التحرك سريعا لاحتواء التفشي المحتمل.

خليل حرب

+++++++++++++++++++++++++++++++

بعدما ظهرت الاصابة الاولى في 5 تشرين الاول 2022، وهي الحالة الاولى منذ 30 عاما، اصبح لبنان بذلك، بحسب منظمة الصحة العالمية، البلد الاحدث الذي بدا يظهر فيه المرض، بعدما كان انتشر في حزيران الماضي في افغانستان، ثم راح يظهر تباعا في باكستان وايران والعراق وسوريا. وبالاجمال، تقول المنظمة انه خلال الشهور التسعة الاولى من العام الحالي، ابلغت 26 دولة عن تفشي الكوليرا، ولكن غالبيتها تعاني من الفقر او الصراعات.

وظهرت الكوليرا متخطية اكثر من 200 حالة اصابة ووفاة خلال ايام قليلة في وقت لم يخرج وباء كورونا (كوفيد-19) من المخاطر التي تهدد صحة المواطنين، سواء من اللبنانيين او المقيمين، مع كل ما تسبب به من اعباء على كاهل القطاع الصحي عموما، وعلى جيوب الناس، والاهم على صحتهم، وهو وباء اودى بحياة اكثر من 10 الاف لبناني، واصاب اكثر من 1.25 مليون اخرين.

وهناك خشية بين اللبنانيين الان من تكرار مرحلة العيش في ظل الخوف الطويل من تفشي مرض جديد، خاصة ان المستشفيات والهيئات الصحية في البلد منهكة اصلا لا بسبب وباء كورونا وحسب، وانما بسبب الانهيار في الخدمات وقدرات الجهات المختصة على التعامل مع تحدي صحي جديد.  

وتقول منظمة الصحة العالمية ان “المخاطر تكمن في الوضع الذي وصل اليه لبنان نتيجة الازمة الاقتصادية الحادة التي يعاني منها منذ اكثر من ٣ سنوات، والتي انعكست على مختلف جوانب الحياة ووضعت السكان امام تحدي الوصول الى غذاء سليم ومياه شرب صالحة للاستخدام، خصوصا مع الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، وتفاقم ازمة النفايات والصرف الصحي، وتلوث الانهار التي يعتمد المزارعون على مياهها لري مزروعاتهم. وكل ذلك يمثل عوامل مساعدة لانتشار المرض بشكل سريع، لا سيما في الاحياء الفقيرة”.

ومن المفارقات الكوليرا ظهر في لبنان برغم ان العالم اطلق في العام 2017 استراتيجية عالمية لمكافحة الكوليرا بعنوان “وضع حد للكوليرا: خريطة طريق عالمية الى العام 2030″، بهدف تخفيض الوفيات الناجمة عن الكوليرا بنسبة 90٪.

وبحسب منظمة الصحة العالمية فان تقديرات الباحثين تشير الى وقوع عدد يتراوح بين 1.3 و4.0 ملايين اصابة بالكوليرا سنويا، وإلى ان الكوليرا تتسبب في وفيات يتراوح عددها بين 21 الفا و143 وفاة في جميع انحاء العالم. وينتج المرض عن جرثومة تنتقل عبر مياه الشرب او تناول مواد غذائية ملوثة، او عبر الخضار المروية بمياه ملوثة، او من شخص الى اخر عبر الايدي الملوثة”. 

وكان وزير الصحة اللبناني في حكومة تصريف الاعمال فراس ابيض قال في 10 تشرين الاول الماضي خلال جولة في عكار، حيث رصدت الإصابة الاولى بالكوليرا منذ العام 1993: “نراقب الوضع على الارض، ولمسنا التراجع في مستوى الخدمات الاساسية، ان كان للشعب اللبناني او اللاجئين، ووصل التراجع الى مستوى التعرض الى اوبئة لم تدخل الى لبنان منذ زمن بعيد”، مشيرا الى ان هذا التراجع المخيف يمكن ان يؤثر على الصحة العامة ايضا. كما تحدث ابيض عن جهوزية جيدة على مستوى النظام الصحي للتعامل مع الكوليرا.

مجلة الامن العام التقت المدير الطبي للصليب الاحمر اللبناني الدكتور انطوني نصر، من اجل تسليط الضوء على هذا المرض عموما، والتحدي الذي يشكله في لبنان بشكل خاص، وطبيعة الدور الانساني الذي بامكان الصليب الاحمر اللبناني، ان يؤديه لدعم جهود لبنان في هذه المواجهة ومخاطرها.

-علميا، ما هي الكوليرا؟ كيف تظهر وما هي اسبابها وكيف تنتشر؟

*الكوليرا هي عدوى بكتيرية حادة تصيب المعدة. تنتقل العدوى عبر الايدي او المياه او تناول الاطعمة الملوّثة، وتسبب اسهالا حادا وقيء وقد تؤدي الى الجفاف.

-هل عدد الاصابات في لبنان حتى الان، يعني اننا دخلنا في مرحلة الخطر؟ وما هو مستوى هذا الخطر؟

*الاعداد المؤكّدة ترتفع بشكل يومي وهذا مؤشّر سلبي يهدّد بالوصول الى مرحلة خطيرة.

-وباء كوفيد-19 لم يخرج من لبنان، والان ظهرت الكوليرا. هل من حق اللبنانيين ان يشعروا بالخوف؟ ما هي نصيحتكم العامة؟

*بالفعل وباء الكورونا ما زال منتشرا في المجتمع اللبناني والان يضاف اليه مشكلة صحية اخرى هي ارتفاع وتيرة انتشار الكوليرا مما يجعل الوضع الصحي الاجتماعي بخطر، خاصّة وانّ الحالة الاجتماعية والاقتصادية سيّئة وكذلك الامر بالنسبة للقطاع الصحي والاستشفائي الذي يعاني اصلا من ازمة حادة. وهذا ما يجعل الامور تاخذ منحى خطر نوعًا ما اذا لم يصار الى استدراك المشكلة ومحاولة الحد من انتشار الكوليرا.

-ما هي اكثر المناطق او الاماكن الاكثر احتمالا لتفشي الكوليرا فيها؟

*المناطق الاكثر عرضة لانتشار الكوليرا هي المناطق الحدودية القريبة من سوريا حيث الانتشار الكبير للكوليرا، اضافةً الى كل الاماكن المكتظة خاصّةً وان هذه المناطق ليس لديها نظام صرف صحي سليم.

-هل تعتبرون ان لبنان جاهز للتعامل مع حالة تفشي للكوليرا؟ لماذا؟

*لبنان على مستوييه العام والخاص يحاول الرفع من جهوزيته لمواجهة هذا الوباء ولكن طبعًا تبقى الإمكانيات محدودة لا سيما في ضوء الازمة التي يعانيها على الصعيد المالي والاقتصادي وعلى صعيد المشاكل التي يعاني منها القطاع الصحي والاستشفائي.

-ما هو طبيعة دور الصليب الاحمر اللبناني الذي يقوم به في مجال مواجهة الكوليرا؟

*وضع الصليب الاحمر اللبناني خططًا للاستجابة وهي تشمل عدة اصعدة، منها التوعية التي تتم في المراكز الحدودية حيث له تواجد بفعل حركة التلقيح التي يقوم بها هناك او في الداخل عبر مراكزه الصحية المنتشرة في جميع الاقضية اللبنانية. من جهة ثانية، يقوم الصليب الاحمر اللبناني بمساعدة المجتمعات المحلية في مجال معالجة المياه (WASH) كما تقوم طواقمه بزيارات منزلية وتساعد في توزيع مادة الكلور وارشاد الناس على كيفية استخدامها ويبحث الصليب الاحمر اللبناني الان مع شركائه في الحركة الدولية للصليب الاحمر والهلال الاحمر امكانية اعادة اطلاق مشروع الخط الساخن للمساعدة والمتابعة الطبية للمرضى المصابين بالكوليرا.

-كيف يتداخل او يتكامل دور الصليب الاحمر اللبناني مع الاجهزة الصحية في لبنان في هذا المجال؟

*يقوم الصليب الاحمر اللبناني بهذه المهام من منطلق الدعم والتكامل مع الجهات الرسمية والخاصة التي تحاول التصدي لوباء الكوليرا وهو شريك اساسي لوزارة الصحة وجميع ادارات الدولة المعنية بهذا الموضوع ويقدم الدعم اللازم بالتنسيق معهم.

-ما هي افضل سبل الوقاية من الاصابة بالكوليرا؟

افضل سبل الوقاية هي التالية:

●    شرب مياه نظيفة وامنة

●    غسل اليدين بالماء والصابون لمدة لا تقل عن عشرين ثانية.

●    طهي الطعام بشكل جيد جدا

●    عدم تناول الاطعمة المكشوفة

●    الاهتمام بنظافة المنزل وخاصة الحمامات واماكن القمامة

●    عدم الشرب من نفس الكوب مع الاخرين

●    الحفاظ على النظافة الشخصية

●    غسل الفواكه والخضار بشكل جيد

●    عدم تناول اللحوم النيئة

●    تعقيم المياه المستخدمة للشرب والطهي

-هناك خطة عالمية اطلقت العام 2017 من اجل مواجهة الكوليرا توصف بانها “خريطة طريق” وصولا الى العام 2030. مع ذلك تظهر حالات في لبنان الان، وهناك تقديرات بان ما بين مليون و4 ملايين شخص يصابون به سنويا. هل نحن على الطريق للتخلص منه فعلا؟

*هناك جهود عالمية للتخلص من وباء الكوليرا على نطاق واسع ولكن حتى الساعة ما تزال هذه الافة تنتشر بين حين واخر في مناطق معينة، يساعد في هذا الموضوع الاكتظاظ السكاني والظروف الصحية والاجتماعية السيئة التي تعيشها بعض المجتمعات خاصةً في ضوء عدم وجود كميات كافية عالميًّا من اللقاح المضاد للكوليرا.

-في الشهور الماضية ظهرت اصابات بالكوليرا في عدة مناطق سوريا، ثم في شهر تشيرن الاول 2022 ظهرت الحالة الاولى في لبنان. هل باعتقادكم ان التنسيق الصحي بين بيروت ودمشق كان سكيون مفيدا؟ هل حدث ذلك؟ هل هناك اجراءات متخذة مثلا على المعابر الحدودية ستكون مفيدة في هذا الاطار؟ ما هو دور الصليب الاحمر اللبناني هنا بما يمكنه القيام به؟

*الصليب الاحمر اللبناني لديه تواجد في المعابر الحدودية الشرعية ويقوم هناك بحملة تلقيح للوافدين الى لبنان وهو انطلاقًا من هذا الوجود يقوم بعملية مسح وتقييم للوافدين من اجل المساعدة في استبيان اية حالة ايجابية او لديها عوارض ممكن ان تدخل الى لبنان ويتم التنسيق في هذا الموضوع مع وزارة الصحة العامة لابلاغها عند الضرورة.

وفي هذا الإطار يجب الانتباه انّ الكوليرا يمكن ان ينتقل عبر الاشخاص او عبر بضائع لاسيما خضار وفواكه يمكن أن تكون ملوّثة بهذه البكتيريا.

الاعراض 

الكوليرا مرض يمكن ان يتسبب في الاصابة باسهال مائي حاد، وهو يستغرق فترة تتراوح بين 12 ساعة و5 ايام لكي تظهر اعراضه على الشخص عقب تناوله اطعمة ملوثة او شربه مياه ملوثة. وتصيب الكوليرا الاطفال والبالغين على حد سواء ويمكن ان تودي بحياتهم في غضون ساعات ان لم تعالج.

وبحسب “مايو كلينك” فان الاسهال قد يتسبب بفقدان الجسم لكميات كبيرة من السوائل (حوالى ليتر كل ساعة). وهناك ايضا الغثيان والقيئ، والجفاف الذي من مؤشراته بالاضافة الى فقدان 10% او اكثر من وزن الجسم، الارهاق وغور العينين وجفاف الفم والعطش الشديد وجفاف وذبول الجلد، وقلة التبول او انعدامه، وانخفاض ضغط الدم واضطراب ضربات القلب.

ولا تظهر اعراض الاصابة بعدوى ضمات بكتيريا الكوليرا على معظم المصابين بها، رغم وجود البكتريا في برازهم لمدة تتراوح بين يوم واحد و10 ايام عقب الاصابة بعدواها، وبهذا تُطلق عائدة الى البيئة ويمكن ان تصيب بعدواها اشخاصا اخرين.

ومعظم من يصابون بعدوى المرض يبدون اعراضاً خفيفة او معتدلة، بينما تُصاب اقلية منهم باسهال مائي حاد مصحوب بجفاف شديد.

تاريخ الكوليرا 

انتشرت الكوليرا خلال القرن ال19 في جميع انحاء العالم انطلاقا من مستودعها الاصلي في دلتا نهر الغانج في الهند. واندلعت بعد ذلك ست جوائح من المرض حصدت ارواح الملايين من البشر في جميع القارات. اما الجائحة الحالية (السابعة) فقد اندلعت بجنوب اسيا في العام 1961 ووصلت الى افريقيا في العام 1971 ثم الى الامريكتين في العام 1991. وتتوطن الكوليرا الان العديد من البلدان. 

الحل المستدام

بحسب منظمة الصحة العالمية، فان الحل الطويل الاجل للكوليرا، يكمن في التنمية الاقتصادية وحصول الجميع على مياه الشرب الامنة ومرافق الصرف الصحي الملائمة. وتشمل الإجراءات التي تستهدف تحسين الظروف البيئية تنفيذ حلول مستدامة مكيفة وطويلة الاجل لتوفير امدادات المياه والصرف الصحي وشروط النظافة الصحية المستدامة لضمان استعمال المياه المامونة والمرافق الصحية الاساسية واتباع ممارسات النظافة الصحية الجيدة في بؤر انتشار الكوليرا.

لقاحات فموية 

يوجد حاليا 3 لقاحات فموية مضادة للكوليرا من اللقاحات التي اختبرت منظمة الصحة العالمية صلاحيتها مسبقا، وهي كالتالي: لقاح ديوكورال (Dukoral) ولقاح شانتشول (Shanchol) ولقاح يوفيتشول-بلس (Euvichol-Plus)، علماً بانه يلزم اخذ جرعتين من هذه اللقاحات الثلاثة جميعها من اجل توفير حماية كاملة.

عن خليل حرب

خليل حرب، صحافي لبناني، مدير تحرير في جريدة "السفير" سابقا. يشغل اليوم منصب رئيس تحرير موقع "جورنال".

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*