الرئيسية » الخليج » هجوم “ارامكو” يؤرق اقتصاد العالم

هجوم “ارامكو” يؤرق اقتصاد العالم

الهجوم الذي استهدف منشاتي نفط في المملكة العربية السعودية في 14 ايلول 2019، كشف عن هشاشة في الاقتصاد العالمي، اذ خلف بشكل مباشر تداعيات كبيرة على اسعار النفط، واثار حالة هلع في مختلف انحاء العالم من تاثيرات الهجوم على امدادت الطاقة، ودفع دولا عديدة الى التحرك لاحتواء الفجوة النفطية التي لاحت فورا في الافق.

خليل حرب

+++++++++++++++++++++++++

ولم يكن استهداف المنشات النفطية في منطقتي بقيق وخريص في السعودية، حدثا عسكريا فحسب، ذلك ان ارتداداته الاقتصادية لم تكن تقل اهمية، اذ ارتفعت اسعار النفط سريعا، وانتشرت المخاوف من انقطاع امدادات الطاقة، واتجهت الانظار سريعا نحو المخزون الاستراتيجي لاجراء حسابات عاجلة حول امكانية تعويض النقص الذي تسببت به الهجمات، وما اذا كانت السعودية ستتاخر في العودة الى طاقتها الانتاجية المعهودة.

وصار معلوما ان هجوم 14 ايلول الماضي، عطل نحو 5.7 ملايين برميل يوميا من انتاج السعودية من النفط، اي نصف الانتاج السعودي، و5 في المئة من امدادات النفط في العالم، اضافة الى تعطيل 18 في المئة من انتاج الغاز الطبيعي، و50 في المئة من انتاج الايثان وسوائل الغاز في المملكة.

وفي اليوم الاول لعمل الاسواق بعد الهجوم، قفزت اسعار النفط بمستوى لم تشهده منذ 30 سنة عندما اجتاحت القوات العراقية الكويت. وبطبيعة الحال، فان القفزة التي سجلت الان تعكس الدور الكبير الذي تحتله السعودية في اسواق النفط عالميا، وتاثير الاحداث فيها عليها. ففي 16 ايلول 2019، اغلقت الاسعار على ارتفاع نحو 15 في المئة، مع تسجيل برنت اكبر قفزة، فقد تحدد سعر تسوية العقود الاجلة لخام برنت عند 69.02 دولار للبرميل، مرتفعا 8.80 دولارات بما يعادل 14.6 في المئة في اكبر زيادة بالنسبة المئوية ليوم واحد منذ اواخر الثمانينات من القرن الماضي.

ويصبح ذلك طبيعيا عندما نعلم ان السعودية وحدها تستحوذ على 10 في المئة من الانتاج العالمي للنفط ، وفق بيانات شهر اب الماضي، وهي تحتل المرتبة الثالثة عالميا في سوق النفط، بعد الولايات المتحدة التي تاتي في المرتبة الاولى بانتاج يشكل 12 في المئة، في حين تحتل روسيا المرتبة الثانية بحوالي 11 في المئة.

وبذلك، تعد السعودية موردا عالميا اساسيا للنفط الذي يستهلك العالم منه نحو 100 مليون برميل يوميا. وعندما يعطل الهجوم منشات سعودية طاقتها بهذه الضخامة، يصبح التاثير العالمي طبيعيا.

لكن ما هي ابرز التقديرات التي صدرت حول العالم، غداة الهجوم على منشات بقيق وخريص؟ برغم التهويل الاميركي الاولي، فان الرئيس دونالد ترامب سعى لاحقا الى التهوين من اثار الهجوم، على الاقتصاد العالمي، اذ قال ان الاسعار “لم ترتفع كثيرا ولدينا احتياطيات نفطية استراتيجية هائلة ويمكننا الافراج عن جزء صغير منها، والدول الاخرى بوسعها ان تكون اكثر بذلا للنفط وبهذا تدفعونه للانخفاض على الفور.. هذه ليست مشكلة”.

وبرغم ان ترامب اعتبر ان الولايات المتحدة لم تعد تحتاج الى نفط الشرق الاوسط لانها اصبحت منتجا كبيرا للنفط، الا انبيانات الحكومة الاميركية تشير الى واقع مختلف، اذ تشير الارقام الى ان الولايات المتحدة تنتج حوالي اثني عشر مليون برميل يوميا، لكنها تستهلك عشرين مليون برميل في اليوم، مما يعني انه يتعين عليها استيراد الباقي، وما زال النفط القادم من الخليج، يتدفق الى الاراضي الاميركية.

اما وزير الطاقة الاميركي ريك بيري فاشار الى ان واشنطن لا تزال تتبنى نهج الترقب والانتظار بشان ما اذا كانت ستستخدم احتياطي النفط الاستراتيجي لديها لتحقيق الاستقرار في اسواق النفط.

ومعلوم ان الاحتياطي النفطي الاستراتيجي للولايات المتحدة يبلغ نحو 645 مليون برميل، وهو الاضخم في العالم لحالات الطوارئ، اذ يضم تقريبا كمية تعادل استهلاك الولايات المتحدة في شهر، ويتم الاحتفاظ به في كهوف تحت الارض على سواحل تكساس ولويزيانا. ويتالف الاحتياطس الاميركي من 395 مليون برميل من الخام الثقيل عالي الكبريت و250 مليون برميل من الخام الاميركي الخفيف.

لكن مصدرين مطلعين على عمليات شركة “ارامكو” المملوكة للدولة السعودية، قالا ان عودة الانتاج السعودي لمستوياته الطبيعية ربما يستغرق شهورا، وليس اسابيع كما اعلن بداية.

وفي هذا السياق، أعلن بنك “غولدمان ساكس” ان تعطل إنتاج السعودية النفطي لمدة تتجاوز ستة أسابيع قد يدفع سعر “برنت” لتجاوز خمسة وسبعين دولارا للبرميل، موضحا ان تعطل الانتاج لهذه المدة في ظل المستويات الحالية لن يؤدي إلى زيادة اسعار النفط فحسب، بل سيؤدي ايضا الى السحب من الاحتياطات النفطية الاستراتيجية “بكميات كبيرة وابقاء الاسعار على مستوياتها الحالية”.

الروس كانوا اكثر حذرا. الرئيس فلاديمير بوتين خلال قمة في اسطنبول بحضور الرئيسين الايراني حسن روحاني والتركي رجب طيب اردوغان، اطلق دعوة الى السعودية قائلا ان بامكانها شراء المنظومات الروسية “اس 300” او “اس 400” للدفاع الجوي لحماية مواقعها المهمة، مثلما فعلت ايران وتركيا، فيما كان روحاني واردوغان يضحكان.

وبطبيعة الحال، اعربت موسكو رسميا عن تضامنها مع الرياض ازاء الهجوم، كما قال وزير الطاقة الروسي الكسندر نوفاك “الجميع توقعوا ارتفاع الاسعار بقدر ما، لان الاسعار تاخذ في الحسبان الضبابية والمخاطر. اعتقد ان السوق ستتفاعل مع الموقف بناء على المعلومات القادمة من السعودية”.

من جهتها، شيدت السعودية بين عامي 1988 و2009، خمس منشات تخزين ضخمة تحت الارض في مناطق متفرقة من المملكة قادرة على استيعاب عشرات ملايين البراميل من المنتجات النفطية المكررة على انواعها. وتحدثت مصادر لقناة  “سي ان ان” الاميركية حول امتلاك السعودية احتياطيا يبلغ نحو مئتي مليون برميل، يتم تحزينها في مخازن تابعة لشركة “ارامكو” في اليابان والصين وهولندا، في حين اشارت تقارير الى وجود مخازن في سيدي كرير في مصر.

ومع ذلك، تقول صحيفة “الفاينانشال تايمز” ان الهجوم على النفط السعودي، كشف عن نقاط ضعف في سوق النفط العالمي، قبل ان تتساءل: كم من الوقت تحتاج السعودية لاستعادة قدرتها الكاملة على انتاج النفط.؟ وهل بامكانها حتى ذلك الحين ان تضغط على بنيتها الحالية لتعويض الكميات المفقودة من النفط حتى يتم اصلاح الاضرار في المنشات التي تم استهدافها.

وهناك رهان سعودي اخر يحتاج الى متابعة لتحديد مدى تاثره بالهجوم، اذ ان الرياض كانت تامل بجمع مئة مليار دولار من بيع خمسة في المئة من شركة “ارامكو” استنادا الى قيمة الشركة المقدرة بـ2 ترليون دولار، وهي خطة تاجلت عدة مرات لاسباب من بينها انخفاض اسعار النفط، وربما تتاجل فترة اطول الان.

وكانت السعودية تسعى قبل الهجوم الى خفض الانتاج على امل رفع الاسعار وزيادة المداخيل، وذلك بهدف خفض العجز بالميزانية السعودية من جهة، ورفع جاذبية  حصة شركة “ارامكو” من جهة ثانية.

والى جانب الضرر المباشر على الاقتصاد السعودي، فان الخبراء يرجحون ان تكون قارة اسيا الاكثر تاثرا بتعطل الانتاج السعودي، اذ ان غالبية الصادرات النفطية السعودية تذهب الى اسواق اسيوية، وتحديدا الى الصين واليابان والهند وكوريا الجنوبية.

ويذكر ان اليابان تستورد لوحدها 3.5 ملايين برميل يوميا من النفط العربي، وتشكل نسبة النفط السعودي منها 40 في المئة والخليجي اكثر من 70 في المئة. وبينما اعلنت كوريا الجنوبية، خامس اكبر مستورد للنفط في العالم، انها  تبحث احتمال سحب نفط من احتياطيات الخام الاستراتيجية، في حال تدهورت اوضاع واردات النفط الخام، اعلنت وزارة النفط الهندية ان “ارامكو” اكدت لها عدم حدوث نقص في الامدادات لشركات التكرير في الهند التي استوردت في الفترة الممتدة من كانون الثاني الى تموز الماضيين، 788 الف برميل يوميا من النفط السعودي. ومع ذلك، قال وزير النفط الهندي دارمندرا برادان ان بلاده تدرس زيادة واردات النفط من روسيا.

ولم تقتصر التداعيات على ذلك، فقد قالت مصادر لوكالة “رويترز” ان السعودية اغلقت خط انابيب النفط الخام الى البحرين، وهو خط كان ينقل نحو 220 الف برميل يوميا من الخام العربي الخفيف، من “ارامكو” الى شركة “بابكو” البحرينية، مشيرة الى ان “بابكو” تعمل على تامين السفن لاحضار نحو مليوني برميل من الخام السعودي نتيجة لاغلاق خط الانابيب.

وبكل الاحوال، يختلف المحللون الاقتصاديون حول مدى تاثير الهجوم على منشات “ارامكو” ما بين من يرى مسارا تصاعديا الى حين استعادة المملكة قدرتها الانتاجية المعتادة، او ان التاثير سيكون قصير المدى لان الاسواق تتكيف مع مثل هذا الانقطاع المفاجئ للامدادات النفطية.

نفط السعودية

يعتقد ان الاحتياط المؤكد من النفط في المملكة العربية السعودية يبلغ حوالى 263 مليار برميل. وتحتل السعودية المركز الثاني كاكبر احتياطي على مستوى العالم بعد فنزويلا، والتي يبلغ حجم احتياطياتها من النفط نحو 303.3 مليارات برميل.

واكتشف النفط السعودي في العام 1939، وفي نيسان العام 1939 تمكنت من تصدير اول شحنة من الزيت الخام الى الخارج، وفي 1960 انضمت السعودية لمنظمة “اوبك”.

وبتعليمات من الملك عبدالعزيز الى سعود في ايار من العام 1933 تم توقيع اتفاقية الامتياز للتنقيب عن النفط بين حكومة المملكة وشركة “ستاندرد اويل اوف كاليفورنيا” (سوكال)، وفي تشرين الثاني من العام نفسه، تم انشاء شركة تابعة هي شركة “كاليفورنيا اريبيان ستاندرد “ويل كومباني” (كاسوك) لادارة الامتياز. وفي العام 1944 تم تغيير اسم الشركة الى “شركة الزيت العربية الاميركية” والتي اصبحت فيما بعد “ارامكو السعودية”.

http://www.general-security.gov.lb/uploads/articles/7316.pdf

عن خليل حرب

خليل حرب
خليل حرب، صحافي لبناني، مدير تحرير في جريدة "السفير" سابقا. يشغل اليوم منصب رئيس تحرير موقع "جورنال".

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*