الرئيسية » اراء ودراسات » العرب من “حلفاء أميركا” إلى “شركاء” ترامب

العرب من “حلفاء أميركا” إلى “شركاء” ترامب


ليت الأمر ينحصر في الانسحاب الأميركي من شمال سوريا، وما سيتكبّد جرّاءه حلفاءُ واشنطن في المنطقة العربية من خسائر فادحة، حدّها الأدنى القبول بروسيا “حليفة خصومهم” كمشرف على أية تسويات إقليمية تتجاوز جغرافيا سوريا بطبيعة الحال، ليمتد نحو إرساء هذه المتغيرات كمسار إجباري لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، سواء كان نفوذاً ينكمش بوتيرة متسارعة لصالح إيران وتركيا، أو تحولات في السياسة الداخلية الأميركية التي تجعلهم ما بين نار الدفع المستمر لدونالد ترامب لـ”حماية عروشهم” – على حد تعبيره – وليس لتعزيز نفوذهم الإقليمي، أو اعتبارهم من جانب الكونغرس ومختلف المؤسسات الأميركية، شركاء لرئيس فاسد على وشك أن توجّه له اتهامات رسمية.

اسلام أبو العز

++++++++++++++++++++++++

وفي الخلفية من التطورات تؤشر بوصلة الاستقطاب والنزاع بين المؤسسات الأميركية والرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى مستوى متجدّد من نمط إدارة واشنطن لعلاقاتها مع “حلفائها” في الشرق الأوسط، الأمر الذي يتجلى في أن تكون لتصريحات مسؤولين وسياسيين أميركيين خارج الإدارة الأميركية أهمية كبيرة خاصة في ما يتعلق بالسياسة الخارجية، وتحديداً الشرق الأوسط، ليس على سبيل الاهتمام الإعلامي أو إبراز الصوت معارض لسياسات الرئيس الأميركي فحسب، ولكن كتأكيد على بديهيات وتوازنات صناعة القرار الاستراتيجي بين مختلف مراكزه في واشنطن، وكنتيجة طبيعية للانقسام والاستقطاب الحادث في أروقة السياسة الأميركية حول كل شيء تقريباً، في عهد الرئيس الخامس والأربعين، وهو أمر قلّما حدث في عهد الرؤساء السابقين الذين أداروا المصالح الأميركية وفق هرمية اتخاذ القرار مع قادة الدول الحليفة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وفق محددات كلاسيكية وخطوط حمراء لم يكن فيها من جانبهم -باستثناء إسرائيل- مساحة للمماطلة والتحفظ، بل تبعية وتنافس في ما بينهم لتنفيذ وكالة المصالح الأميركية بأفضل طريقة.

المناورة والمماطلة من جانب حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط كان بدأ قبل سنوات، وتحديداً مع بروز الخلافات بين تل أبيب وعواصم عربية، على رأسها الرياض، مع إدارة الرئيس السابق أوباما، وطريقة معالجته لملفات وقضايا الشرق الأوسط، وبخاصة المتعلقة بإيران والاتفاق النووي، الذي بلغت ذروة اعتراض حلفاء واشنطن عليه، في فحوى وكواليس خطاب نتنياهو في الكونغرس قبل ثلاث سنوات، لاستمالة معارضي أوباما والحزب الجمهوري لتعطيل قراراته الخاصة بالشرق الأوسط، والتي كانت بالطبع في غير صالح السعودية وإسرائيل.

هذا الأمر تطور في عهد دونالد ترامب، مع تبدل الأدوار والمواقف، وقد أضيفت عليه عوامل جديدة، مثل ربط الصراع بين حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط بالخلافات بين البيت الأبيض ومختلف المؤسسات الأميركية، للدرجة التي جعلت الترتيبات الداخلية لتلك الدول “الحليفة” على رأس أجندة  السيناتور الجمهوري الراحل جون ماكين، الذي كان يترأس أهم لجنة تشريعية في الكونغرس، وهي لجنة القوات المسلحة، وإصداره بيان في كانون الثاني عام 2018، انتقد فيه ما حدث عشية الانتخابات الرئاسية المصرية العام الماضي، التي جاءت نتيجة استقواء بـ”الكيمياء الخاصة” بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ودونالد ترامب كضمانة تمرر وفقها أية إجراءات داخلية مهما كان تحفظ الأميركيين عليها، وبخاصة إذا كان الأمر متّصلاً بشكل إدارة المصالح الأميركية في المنطقة العربية على مستوى استراتيجي، والذي يمثل ترامب مرحلة انتقالية فيها من نمط مؤسساتي /هرمي طويل المدى، إلى نمط شركاتي/شبكي صلاحيته مرتبطة بمصالح سياسية لأفراد على مدى قصير.

لعلّ النسق الذي أتى به ترامب يحوّل علاقة الولايات المتحدة بحلفائها من علاقة إستراتيجية قائمة على محددات متعلقة مثلاً بضمان تدفق النفط، إلى نمط شركاتي عابر لمفهوم الدولة ككل، أضحت فيه علاقة الولايات المتحدة بحلفائها في المنطقة غير مرتبطة بمأسسة المصالح المشتركة، حيث يتم ربطها بأجندة عمل الإدارة الأميركية، ما يعني أن أقصى مدى زمني لأي تفاهم سياسي هو مدة مكوث ترامب في البيت الأبيض، وأن محددات هذا التفاهم لا تنفصل عن نمط الصفقة التي دأب عليها رجل الأعمال، أي أنها صفقة مؤقتة مرحلية، والأهم أن تترجم إلى أرقام تجعل ترامب أمام قاعدته الانتخابية ومؤيديه “رئيساً ناجحاً”، وهذا فقط في حالته المثالية، التي تخلو من شبهات التجسس والاستعانة بدول أجنبية، وتحقيقات قد تنتهي بعزلة.

عن “العين” الاماراتية حول مؤتمر وارسو

هذا النسق توافق مع تحولات السياسة الدولية وخاصة في الشرق الأوسط من مفهوم السيادة والدولة إلى نمط الشركاتية والمصالح الشبكية العابرة لمفهوم الدولة، والتي تجعل في نسختها الأكثر رداءة، المتمثلة في شخص ومنهجية ترامب والضالعين من إدارته بشئون الشرق الأوسط، مثل صهره جاريد كوشنر الذي يواجه تحقيقات “لجنة مولر”، والذي تعامل مع تعقيدات الشرق الأوسط “كصفقة” إذا ما أنجزت فأنها تضاف إلى سجل أعماله لا أكثر.

وفي المقابل، عوّل حلفاء واشنطن عليه بشكل كامل في هندسة أولويات الإدارة الأميركية الحالية مع أولوياتهم المختلفة والمتضاربة أحياناً في شتى الملفات، ليصطدموا خلال العام 2018 بواقع أن كل ما لدى ترامب وإدارته مقابل مئات المليارات هي معادلة سوقية حدها الأقصى حماية أنظمتهم مقابل تمويلهم لإحصائيات “نجاحات” الأخير أمام قاعدته الانتخابية، في وقت لا يملك من أوراق القوة غيرها مقابل سلسلة من نقاط ضعف لا تقف عند تحقيقات مولر أو غلبة الديمقراطيين في الكونغرس أو حتى علاقته العدائية مع مختلف المؤسسات الاقتصادية والسياسية هناك، ولكن تحلل إدارته وتفككها، وأخر دلائل هذا هو استقالة وزير الدفاع جيمس ماتيس، بسبب خلاف في الرؤى بينه وبين ترامب على مختلف الأصعدة وعلى رأسها الشرق الأوسط.

تناقض المصالح الإستراتيجية مع مصالح ترامب السياسية

بالإضافة إلى السابق، فإن بعض الدول الحليفة لواشنطن في المنطقة ساهمت عبر تماهيها مع سياسات ترامب خلال العامين الماضيين، وكذلك الأزمات الناتجة عن سياساتها الداخلية -حادثة خاشقجي كمثال- في ترقيته آلية المناورة التي أستحدثها نتنياهو في عهد أوباما إلى مستوى خلاف على استراتيجيات المستقبل وليس مجرد الاكتفاء بتضارب الأولويات والمصالح السياسية الموقوتة بمدى مكوث ترامب في البيت الأبيض. ناهيك عن أنها تتجاوز محددات وكالة المصالح الأميركية في المنطقة وعلى رأسها تحجيم إيران، من دون معرفة كيفية تنفيذ هذا الأمر ومراعاة مصالح وأولويات من يفترض أنهم حلفاء واشنطن، الذين يوجد بينهم في نفس الوقت صراع ربما يكون الأكبر من نوعه منذ حرب الخليج الثانية.

في هذا السياق نجد مثلاً أن تصريحات السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام التي أطلقها منذ أيام قليلة من تركيا، والخاصة بالانسحاب الأميركي من سوريا لا تقف  فقط عند مستوى خلاف بينه وبين ترامب في ملفات داخلية أو في حوادث مزعجة مثل قتل خاشقجي وموقف غراهام المتشدد من الرياض، ولكن على تحول النمط الحاكم لعلاقات واشنطن بـ”حلفائها” في الشرق الأوسط في عهد ترامب، والذي يرى كثير من الساسة الأميركيين، ولا سيما والجمهوريين منهم تحديداً، أنها تهدد المصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة على المدى الطويل.

معظم هذه المواقف والتصريحات تتجاوز بطبيعة الحال فكرة معارضة ترامب على غرار ساسة الحزب الديمقراطي مثلاً، فغراهام الجمهوري الصهيوني بامتياز لم يختلف مع كثير من سياسات ورؤى الرئيس الأميركي الداخلية والخارجية منذ أن كان الأخير مرشحاً رئاسياً، ولكنه بات يختلف الآن – هو وغيره، مع ترامب في تراتبية الدول الوكيلة بهذه المصالح وكيفية إدارتها وتنفيذها، كحلقة من سلسلة ربط الخلافات بين الدول الحليفة لواشنطن بالخلافات بين ترامب والكونغرس مثلاً، والتي أتت كنتيجة حتمية لنمط تصدير الرئيس الأميركي لمشاكله السياسية الداخلية إلى الخارج، وهو النمط الذي يتقاطع فيه بعض من قادة الدول الحليفة لواشنطن مثل السعودية، فيما تتمسك تركيا ببراغماتية المصالح الاستراتيجية المشتركة، ما يجعل الأولى في نظر غراهام ومن لف لفه في المؤسسات الأميركية المختلفة شريكة لترامب، فيما الثانية تبقى حليفة لواشنطن، وفي الوقت ذاته لا تستعدي ترامب بل تقف معه عند حدود مناورة لتقديم ما هو أفضل للمصالح الأميركية، وليس مصالحه الشخصية المرتبطة بإرضاء قاعدته الانتخابية.

وكانعكاس لمدى عمق الاستقطاب الموجود حالياً بين النخبة السياسية للولايات المتحدة، فإن معارضة قرارات ترامب الخارجية لم تقف عند الحزب الديموقراطي فحسب، ولكن امتدت حتى داخل الإدارة الأميركية نفسها؛ فقرار سحب القوات الأميركية من سوريا وتداعياته لم تقف معارضته أو التحفظات على توقيته وتنفيذه من جانب ساسة الحزب الديمقراطي المعارض لترامب فحسب، ولكنها تأتي من قلب المؤسسات الأميركية المختلفة، وعلى لسان أعضاء الحزب الجمهوري، سواء أعضاء الكونغرس أو المحسوبين عليه داخل المؤسسات الأميركية، وحتى داخل الإدارة نفسها، مثل وزير الدفاع “المستقيل” جيمس ماتيس، الذي أطيح به على خلفية قرارات ترامب الأخيرة المتعلقة بالاستراتيجية العسكرية الأميركية، وبخاصة في سوريا وأفغانستان، بعدما كان آخر المتبقين من إدارة ترامب التي دخلت البيت الأبيض عام 2016. والذي أختير في الأساس لكونه “الكلب الشرس”، وهو اللقب الذي حصل عليه من سيرته المهنية، ومواقفه التي كانت قبل عامين الأقرب إلى طريقة تفكير الرئيس الأميركي، والتي أضحت بعد عامين وحسبما جاء في خطاب “استقالة” ماتيس، لا تراعي المصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة، وتتجاوز في مسارات اتخاذها آليات كلاسيكية لكيفية اتخاذ القرارات الاستراتيجية العسكرية بين البيت الأبيض والبنتاغون والكونغرس، ناهيك عن شبهة النفوذ والتأثيرات الخارجية التي تطارد الرئيس الاميركي في معظم قراراته.

ولا تقف حدود هذه الورطة عند ما يحدث في الداخل الأميركي فحسب، إذ يجري استثمار وتوظيف أخطاء بعضهم من قبل خصومهم وخصوم ترامب وحتى حلفاءه وأعضاء إدارته السابقين، والتي لم يعد يكفي لمجابهاتها ولملمة فوضاها ضمانة وجود ترامب في البيت الأبيض، وكأنها ضوء أخضر أبدي لتنفيذ كل ما يحلو لهم سواء تجاه دول أو أفراد، مثل حادثة خاشقجي أو حرب اليمن، خاصة أن القضايا والملفات السابقة لم يعد يتم التعامل معها من قِبل النخبة السياسية في واشنطن على أنها أمر خارجي منفصل على الخلافات السياسية الداخلية الكلاسيكية بين الجمهوري والديمقراطي، فقد  باتت الآن هذه القضايا وغيرها على محك الخلاف بينهم وبين ترامب.

الجانب المظلم لهذا التفاهم/ النمط بالنسبة إلى هؤلاء الحلفاء لا يتوقف عند خسارة الرهان على ترامب سواء بعزلة أو بعجزه تشريعياً حتى انتهاء ولايته، ولكنه يمتد إلى إمكانية اعتبار داعمي ترامب في الداخل والخارج شركاء له في اتهامات مثل التعاون مع جهات خارجية ضد مصلحة الشعب الأميركي، وهي اتهامات لا تجعلهم خصوماً لكل من هو خارج البيت الأبيض وإدارة ترامب في مختلف المؤسسات ودوائر الحكم وصنع القرار في واشنطن فحسب، بل تضر حتى بجوهرهم الوظيفي كأنظمة حكم وكيلة للمصالح الأميركية في المنطقة نظير حماية عروشهم وأنظمتهم… أو ما هو أخطر حال قياسه على النمط الشركاتي الشبكي الذي سيجعلهم في عهد الرئيس الأميركي القادم، أي بعد أقل من عامين، في خانة شركاء ترامب الذين قد توجه إليه تهم الفساد والعمل ضد مصالح الولايات المتحدة خلال المدى المنظور.

اسلام أبو العز

عن جورنال

Avatar

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*